سبتة بين أزمة الهجرة والمزايدات السياسية.. لماذا يزجّ بنكيران بالملك في الجدل؟

الدار/ إيمان العلوي
لم تعد تصريحات عبد الإله بنكيران بشأن التطورات الأخيرة في سبتة المحتلة مجرد موقف سياسي عابر، بل تحولت إلى مادة جدل تلامس حدود الخطاب السياسي ومسؤولية الفاعلين الحزبيين عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة تمس الأمن والعلاقات الخارجية ومكانة المؤسسات الدستورية. فإقحام الملك محمد السادس في تفسير ملابسات أحداث من هذا النوع يطرح، قبل أي سؤال آخر، إشكالية سياسية ودستورية حول الجهة التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية البحث والتوضيح والمساءلة.
بنكيران، الذي سبق أن تولى رئاسة الحكومة، يدرك أكثر من غيره أن الدولة لا تُدار بمنطق التساؤلات الشخصية ولا عبر إحالة الملفات المعقدة مباشرة إلى المؤسسة الملكية كلما ظهرت أزمة أو ارتفعت حدة الجدل. وإذا كان من المشروع التساؤل عن خلفيات ما جرى في سبتة، فإن تحويل السؤال إلى المؤسسة الملكية، ثم الإيحاء بوجود جواب منتظر منها، يضع النقاش في مسار مختلف تماماً: مسار يجعل الملك طرفاً في قضية يفترض أن تكون المؤسسات التنفيذية والأمنية والقضائية المختصة هي المخاطب الأول فيها.
الأكثر إشكالاً أن التصريحات المتداولة لا تقدم، في حدود ما هو معلن، أدلة واضحة تثبت وجود جهة داخلية تقف وراء الأحداث. ومع ذلك، جرى طرح احتمال وجود “طرف داخلي أو خارجي” بما يفتح الباب أمام سيناريوهات وتفسيرات لا تستند بالضرورة إلى وقائع مثبتة. وهنا تحديداً تظهر خطورة الخطاب السياسي عندما ينتقل من مساءلة الوقائع إلى صناعة الاحتمالات، لأن الشك حين يصدر عن شخصية سياسية وازنة يمكن أن يتحول بسهولة إلى انطباع عام، حتى في غياب أي دليل.
قضية سبتة، في المقابل، أكبر من أن تختزل في سجال سياسي داخلي. فهي ترتبط بملفات الهجرة غير النظامية، وشبكات استغلال المهاجرين، والتحريض الرقمي، وأمن الحدود، فضلاً عن تعقيدات العلاقات المغربية الإسبانية. ولذلك فإن مقاربة هذه التطورات تحتاج إلى معلومات دقيقة وتحقيقات مؤسساتية، وليس إلى قراءات سياسية تستبق نتائج التحقيق أو تمنح فرضيات غير مثبتة وزناً يوازي الوقائع.
ومن موقعه كرئيس حكومة سابق، كان يفترض ببنكيران أن يدفع باتجاه المؤسسات التي يعرف طبيعة اختصاصاتها جيداً، وأن يطالبها بتقديم المعطيات اللازمة، بدل أن يجعل المؤسسة الملكية محوراً لسؤال سياسي قابل للتأويل. فالمساءلة السياسية، في دولة المؤسسات، لها عناوينها وأدواتها، كما أن المسؤولية التنفيذية لها جهاتها المحددة، ولا يمكن اختصار كل ذلك في خطاب سياسي يستند إلى ما قيل أو ما يُعتقد أو ما يُشتبه فيه.
هذا الأسلوب قد ينتج أثراً سياسياً عكسياً؛ فبدلاً من توضيح الصورة للرأي العام، يمكن أن يساهم في تعقيدها، وبدلاً من محاصرة الإشاعة، قد يمنحها مساحة إضافية. وعندما تُطرح فرضية وجود “جهة داخلية” من دون أدلة، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: من يقف وراء الأحداث؟ بل أيضاً: ما الأساس الذي يسمح أصلاً بطرح هذا الاتهام أو الشك؟
كما أن تحويل عدم صدور موقف ملكي مباشر إلى مادة سياسية يطرح إشكالاً آخر. فليس من مهام المؤسسة الملكية أن تدخل في كل نقاش سياسي أو أن تقدم إجابات مباشرة عن كل فرضية تطرحها شخصية حزبية. بل إن احترام مكانتها يقتضي عدم استخدامها كأداة لتصفية الحسابات السياسية أو كمرجع لإضفاء الشرعية على تأويلات لم تمر عبر القنوات المؤسساتية.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات بنكيران أقرب إلى إعادة صياغة أزمة سبتة داخل الصراع السياسي المغربي منها إلى تقديم إضافة حقيقية لفهم ما جرى. فبدل التركيز على الوقائع الميدانية، ومسؤوليات الجهات المختصة، وشبكات الهجرة غير النظامية، وآليات التحريض والاستقطاب، انتقل النقاش إلى سؤال أكثر إثارة سياسياً: لماذا لم تتدخل المؤسسة الملكية لتقديم تفسير؟
لكن هذا السؤال نفسه قد يكون في غير محله. لأن دولة المؤسسات لا تُقاس بمدى تدخل رأس الدولة في كل ملف، وإنما بقدرة المؤسسات المختصة على أداء وظائفها وتحمل مسؤولياتها. ومن هنا، فإن استدعاء الملك إلى قلب سجال حزبي لا يعزز بالضرورة منطق الدولة، بل قد يضعف صورة الاختصاصات المؤسساتية التي يفترض أن يدافع عنها الفاعل السياسي نفسه.
المطلوب اليوم، في قضية سبتة، ليس المزيد من السيناريوهات ولا رفع منسوب الاتهام السياسي، وإنما تفكيك الوقائع بهدوء: من حرك هذه المحاولات؟ كيف جرى التحريض؟ هل توجد شبكات منظمة؟ وما طبيعة التدخلات التي قامت بها الجهات المختصة؟ تلك هي الأسئلة التي تستحق إجابات موثقة.
أما تحويل القضية إلى مناسبة لإقحام المؤسسة الملكية في سجال سياسي، فهو يختزل ملفاً بالغ التعقيد في معادلة سياسية ضيقة، ويخاطر بإبعاد النقاش عن جوهره. وبين البحث عن الحقيقة وصناعة الشبهة مسافة كبيرة، وكان الأجدر بشخصية سياسية راكمت تجربة حكومية طويلة أن تكون أول من يحرص على عدم تجاوزها.






