سبتة ومليلية.. ذاكرة وطن لا تُمحى، وحقٌّ مغربي لا يسقط بالتقادم

الدار/ إيمان العلوي
كلما عاد الحديث عن سبتة ومليلية إلى الواجهة، خرجت بعض الأصوات لتتعامل مع القضية وكأنها مجرد نزوة سياسية عابرة، أو ورقة تُستعمل لتوتير العلاقات بين المغرب وإسبانيا. والحقيقة أن الأمر أعمق من ذلك بكثير؛ فبالنسبة إلى المغرب، يتعلق الأمر بملف يرتبط بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة الوطنية، وبقناعة راسخة بأن وجود المدينتين تحت الإدارة الإسبانية لا يعني أن المغاربة مطالبون بالتخلي عن رؤيتهم لمستقبلهما.
وقد جدد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، خلال غشت 2026، التأكيد على أن المغرب يعتبر سبتة ومليلية من حقوقه التاريخية والجغرافية، ودعا إلى فتح آلية للحوار مع إسبانيا بشأن مستقبلهما. مدريد ردت برفض التفاوض حول السيادة، وهو ما يكشف بوضوح أن القضية لم تُغلق سياسياً، مهما حاول البعض تصويرها على أنها صفحة من الماضي.
ومن منظور مغربي، لا يتعلق الأمر برغبة في افتعال مواجهة مع الجار الإسباني، بل على العكس تماماً: قوة الموقف المغربي تكمن اليوم في قدرته على الجمع بين التمسك بالثوابت الوطنية والحفاظ على علاقات استراتيجية متينة مع إسبانيا. فالمغرب وإسبانيا تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية واسعة، والتعاون بينهما في ملفات الهجرة والأمن والتجارة يجعل الحوار ضرورة متبادلة، وليس امتيازاً يمنحه طرف للآخر.
ومن هنا يمكن فهم الدعوة المغربية إلى الحوار باعتبارها موقفاً مسؤولاً لا موقفاً تصعيدياً. فالحقوق والقضايا التاريخية لا تحتاج دائماً إلى لغة عالية النبرة، بل تحتاج إلى نفس طويل، وإلى دبلوماسية هادئة قادرة على تحويل الملفات الشائكة إلى قضايا قابلة للنقاش السياسي.
واللافت أن التطورات الأخيرة حول سبتة أظهرت مرة أخرى مدى حساسية موقع المدينتين. فقد تحولت أزمة الحدود والهجرة خلال صيف 2026 إلى أزمة سياسية وإعلامية كبيرة داخل إسبانيا، فيما اضطرت مدريد إلى التعامل في الوقت نفسه مع واقعها الجغرافي المتمثل في وجود حدود برية مع المغرب. وقد أكدت الحكومة الإسبانية بنفسها أن التعاون مع المغرب كان جزءاً من جهود معالجة الأزمة وإعادة من دخلوا بشكل غير نظامي.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف عندها: عندما تحتاج أوروبا إلى المغرب في حماية حدودها ومواجهة الهجرة غير النظامية، يصبح التعاون المغربي ضرورة استراتيجية؛ لكن عندما يطرح المغرب قضاياه الوطنية والتاريخية، تحاول بعض الأصوات الأوروبية التعامل مع الأمر وكأنه تجاوز لخط أحمر لا يجوز حتى مناقشته.
المغرب لا يحتاج إلى الدخول في هذه اللعبة.
فالدبلوماسية المغربية أثبتت خلال السنوات الماضية أن الملفات الكبرى لا تُدار بالانفعال، وإنما بتراكم المواقف، وبناء الشراكات، وتعزيز الحضور الاقتصادي والسياسي، وانتظار اللحظة المناسبة لطرح القضايا الوطنية بثقة ووضوح.
كما أن اختزال سبتة ومليلية في عبارة «مدينتان إسبانيتان» لا ينهي النقاش المغربي حولهما. إنه ببساطة يعبر عن الموقف الإسباني الرسمي، تماماً كما تعبر المطالبة المغربية عن الموقف المغربي الرسمي. والمطلوب في العلاقات بين الدول ليس إنكار وجود الخلاف، بل إدارة الخلاف بطريقة تمنع تحوله إلى عداء.
ولذلك فإن الأصوات التي تتعامل مع المطالبة المغربية بالسخرية أو الاستهزاء إنما تسيء فهم طبيعة القضية. فالمغاربة لا يحتاجون إلى إذن من أحد للاحتفاظ بذاكرتهم الوطنية، كما أن الدفاع عن القضايا الترابية لا يعني بالضرورة الدعوة إلى الصدام أو القطيعة.
بل إن الوطنية المغربية الحقيقية اليوم هي أن يكون المغرب قوياً في اقتصاده، وهادئاً في دبلوماسيته، ثابتاً في مواقفه، ومنفتحاً على الحوار.
إن سبتة ومليلية ليستا مجرد اسمين يظهران في الأخبار عند كل أزمة. إنهما جزء من نقاش تاريخي وسياسي طويل، والمغرب، مثل أي دولة، من حقه أن يحتفظ برؤيته ومطالبه وأن يدافع عنها بالوسائل السياسية والدبلوماسية.
وفي المقابل، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله إسبانيا ليس إغلاق الباب بعبارات قطعية، بل إدراك أن العلاقات المغربية الإسبانية أكبر من أن تُختزل في الخلاف حول السيادة. فالجوار الجغرافي دائم، والمصالح المشتركة واسعة، والتاريخ بين البلدين مليء بالتعقيدات التي لا يمكن محوها ببيان رسمي.
قد يختلف المغاربة والإسبان حول تفسير التاريخ، وقد تختلف الدولتان حول مستقبل سبتة ومليلية، لكن ذلك لا يغير حقيقة أساسية: المغرب لن يتخلى عن ذاكرته الوطنية، ولن يكون مطالباً بالصمت عن قضية يعتبرها جزءاً من ثوابته، وفي الوقت نفسه لا يحتاج إلى تحويل هذا الموقف إلى خصومة دائمة مع إسبانيا.
فالقوة ليست في الصراخ، وإنما في القدرة على الانتظار والتفاوض وبناء النفوذ.
وسبتة ومليلية، بالنسبة إلى المغرب، قضية وطنية تُدار بعقل الدولة ونَفَس التاريخ، لا بانفعال اللحظة.






