سلايدرمغرب

التلاعب في الأسعار بين ضعف المراقبة والتراخي في تطبيق القانون

الدار/

تمتلئ الأسواق الشعبية يوميا بالحركة والنشاط، سواء بمناسبة حلول شهر رمضان أو خلال باقي أيام السنة، حيث تعج بأصوات الباعة الذين يعرضون بضائعهم وسط زحام المتسوقين الباحثين عن قوت يومهم بأسعار معقولة.
غير أن هذه الأسواق لم تعد تعكس مبدأ العرض والطلب ، بقدر ما أصبحت رهينة لجشع المضاربين الذين يرفعون الأسعار دون مبرر، متحكمين في أبسط المواد الغذائية وكأنها سلع نادرة.

السردين، الذي كان غذاء الفقراء ومصدرا أساسيا للبروتين في موائد المغاربة، أصبح اليوم مثالا صارخا على الفوضى التي تضرب الأسواق . ارتفاع أسعاره بشكل غير مسبوق ، لا يعود إلى نقص في الإنتاج، بقدر ما هو نتيجة احتكار وسطاء يفرضون زيادات غير مبررة ، ليس السردين لوحده، بل أنواع كثيرة اخرى من السمك غابت عن موائد عموم المواطنين ، تماما كما يحدث مع اللحوم والدواجن والخضروالفواكه ، التي باتت أسعارها ترتفع بشكل مفاجئ ، دون أي تدخل حقيقي من الجهات المعنية لحماية المستهلك .
ورغم أن القانون رقم 12-104 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة يمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع يظل محدودا. فرغم فتح مجلس المنافسة تحقيقات في هذا الشأن، فإن السوق لم يشهد أي تغييرات ملموسة تعيد له توازنه الطبيعي . أما وزارة الفلاحة والصيد البحري، فقد حاولت تنظيم عمليات البيع الأولي للأسماك من خلال مشاريع قوانين جديدة ، غير أن هذه التدابير لم تحقق النتائج المرجوة أمام سرعة المضاربين في التكيف مع أي إجراءات رقابية.

وتعد ظاهرة “سمك مراكش” مثالا واضحا على هذا العبث، حيث تباع الأسماك بأسعار تفوق نظيرتها في المدن الساحلية بأضعاف مضاعفة، رغم أن للمغرب واجهتين بحريتين و غني بالثروة السمكية .
هذا الوضع يعكس حجم الفوضى التي تعيشها الأسواق، حيث لم تعد الأسعار تحدد وفق منطق إقتصادي واضح ، بل وفق مصالح فئات معينة تتحكم في السوق وتفرض واقعا يصب في مصلحتها وحدها .
ورغم وجود لجان مراقبة إقليمية ومحلية، إلا أن فعاليتها تبقى محدودة، إذ يواصل المضاربون نشاطهم مستغلين ثغرات القانون، مما يجعل المستهلك المغربي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة ، فإرتفاع الأسعار بهذا الشكل العشوائي ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة لمنظومة إقتصادية غير متوازنة تحتاج إلى إصلاح جذري ، يبدأ بتشديد الرقابة على الوسطاء، وفرض إجراءات صارمة تمنع الاحتكار، وتفعيل القوانين بشكل حقيقي دون محاباة، لضمان عدالة سعرية تتيح للمواطنين الحصول على حاجياتهم الغذائية بأسعار منطقية.

ختاما ، يبقى السؤال المطروح ، إلى متى سيظل المواطن المغربي رهين بهذا الجشع المستشري؟ وهل ستتخذ الجهات المسؤولة إجراءات حازمة لكبح جماح المضاربة، أم أن الفوضى ستظل القاعدة في أسواقنا، بينما يبقى السوق العادل إستثناءا بعيد المنال؟

ذ/ الحسين بكار السباعي
محام وباحث في الهجرة وحقوق الإنسان.

زر الذهاب إلى الأعلى