أخبار دوليةسلايدر

قرنان ونصف من الثقة: كيف تحولت الصداقة المغربية-الأمريكية إلى شراكة جيوسياسية

الدار/ إيمان العلوي

لم تكن الأمسية التي احتضنها مبنى الكونغرس الأمريكي مجرد احتفال بروتوكولي عابر، بل لحظة سياسية ورمزية كثيفة الدلالات، أعادت إلى الواجهة واحدة من أقدم علاقات الصداقة في التاريخ الدبلوماسي للولايات المتحدة. ففي قاعة “كينيدي كوكَس روم”، اجتمع أكثر من مئتي شخصية من صناع القرار في مجالات السياسة والدفاع والدبلوماسية، لإحياء مسار شراكة تعود جذورها إلى سنة 1777، حين بادر المغرب، في خطوة سبقت حسابات الزمن، إلى الاعتراف باستقلال الولايات المتحدة، واضعاً بذلك أول لبنة في علاقة استثنائية عبرت قروناً من التحولات الدولية.

هذا الحضور الوازن داخل أروقة الكونغرس يعكس المكانة الخاصة التي بات يحتلها المغرب في التصور الاستراتيجي الأمريكي. فالمملكة لا تُنظر إليها فقط كحليف تاريخي، بل كفاعل محوري في معادلات الاستقرار الإقليمي، سواء في شمال إفريقيا أو في الفضاءين الأطلسي والمتوسطي. وتؤكد تقارير ومواقف مؤسسات أمريكية رسمية ومراكز تفكير مؤثرة أن الرباط تمثل شريكاً موثوقاً في قضايا الأمن، ومكافحة الإرهاب، وضمان أمن الملاحة، فضلاً عن دورها في ترسيخ الحوار بين الشمال والجنوب.

وقد شهدت هذه العلاقة، خلال العقدين الأخيرين، نقلة نوعية واضحة في ظل القيادة الاستراتيجية للملك محمد السادس، الذي أعاد تعريف مفهوم الشراكة مع واشنطن على أسس تتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى منطق المصالح المتبادلة والرؤية بعيدة المدى. ففي عهده، تعزز الإطار المؤسساتي للتعاون، وتُوج باتفاقية التبادل الحر، التي جعلت من المغرب الدولة الإفريقية الوحيدة المرتبطة اقتصادياً بالولايات المتحدة بهذا المستوى المتقدم، وفق معطيات صادرة عن وزارة التجارة الأمريكية ومؤسسات اقتصادية دولية.

لكن أهمية التحالف المغربي-الأمريكي لا تختزل في الأرقام التجارية أو في التعاون العسكري المتقدم، بل تتجلى بشكل أوضح في التقارب السياسي حول القضايا الكبرى. ويبرز في هذا السياق الموقف الأمريكي الداعم لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، والذي شكّل تحولاً مفصلياً في التعاطي الدولي مع ملف الصحراء، ورسالة واضحة عن عمق الثقة المتبادلة وتلاقي الرؤى الاستراتيجية بين البلدين. هذا الموقف، الذي أكدته الإدارة الأمريكية في أكثر من مناسبة، يستند إلى قناعة بدور المغرب كعنصر استقرار وشريك مسؤول في محيط إقليمي مضطرب.

وفي شهادته خلال هذا الحدث، شدد السفير يوسف العمراني على أن اختيارات الملك محمد السادس لم تقتصر على الحفاظ على الإرث التاريخي للعلاقة، بل نجحت في تحديثها وجعلها أكثر قدرة على مواكبة رهانات القرن الحادي والعشرين، من الأمن الغذائي والطاقي، إلى التحول الرقمي والتغير المناخي. وهي رهانات تجد فيها واشنطن والرباط أرضية مشتركة للتنسيق والعمل المشترك، كما تؤكد ذلك وثائق رسمية صادرة عن وزارتي الخارجية في البلدين.

هكذا، تتحول قرابة 250 سنة من التاريخ المشترك إلى قاعدة صلبة لتحالف يتجدد باستمرار، تحالف لا تحكمه الظرفية ولا تمليه المصالح الآنية فقط، بل تؤطره رؤية استراتيجية قوامها الحوار والاحترام المتبادل والالتزام المشترك بالسلم والاستقرار. وفي عالم يتسم بتزايد الاضطرابات وإعادة رسم موازين القوى، تبدو الشراكة المغربية-الأمريكية نموذجاً نادراً لعلاقة نجحت في الجمع بين الذاكرة التاريخية والبراغماتية السياسية، واضعة المستقبل المشترك في صدارة أولوياتها.

زر الذهاب إلى الأعلى