أخبار دوليةسلايدر

إيران على صفيح ساخن

بقلم: ياسين المصلوحي

تعيش إيران منذ مدة على وقع احتجاجات عارمة من المواطنين، ما فتئت تتوسع رقعتها الجغرافية، وتزداد أعداد المشاركين فيها منذ نهاية دجنبر الماضي. وقد عرفت هذه التظاهرات والاحتجاجات تعتيماً إعلامياً واضحاً من الجهات الرسمية في إيران، إلا أنه، في ظل التطور الرقمي والتكنولوجي، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير في نقل هذه الأحداث.
هذه الاحتجاجات ليست الأولى من نوعها في إيران، إذ كانت تعرف مسيرات ووقفات احتجاجية بين الفينة والأخرى، إلا أن حجم وقوة هذه الموجة الأخيرة فاقا توقعات السلطات الإيرانية نفسها، بسبب الوضع المحتقن والمتأزم الذي وصلت إليه الأوضاع. فقد بلغ معدل التضخم مستوى لا يوصف، حيث تجاوز 40%، مع استمرار انهيار العملة الإيرانية مقارنة بالدولار، ما انعكس مباشرة على أسعار المواد الأساسية، وأدى إلى إضعاف القدرة الشرائية للمواطن، المهترئة أصلاً. كما أن ارتفاع معدل البطالة، وتراجع الأجور، وتدني الخدمات الاجتماعية، جعلت المواطن الإيراني غير قادر على تلبية احتياجاته اليومية الأساسية.
وتأتي هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتوترة في ظل سياق سياسي وحقوقي يعرف احتقاناً منذ سنوات، وسخطاً على النظام السياسي، في جو من الاستياء العام من السياسات العمومية للنظام، الذي يسيء استغلال الموارد والثروات. إذ يعاني المواطن الإيراني من الإهدار والإسراف في الإنفاق على قضايا لا تعود بالنفع على حياته اليومية، من دعم لميليشيات عسكرية في دول خارجية، وتمويل بعض الجماعات والمرتزقة. كما أن الإحساس العام لدى المواطنين يتسم بغياب الشفافية والمساءلة، والشعور بفقدان الحقوق والحريات، واستمرار التراجع في مستوى المشاركة السياسية.​
ومع اتساع وتقوية هذه الاحتجاجات، التي بلغت حد إحراق مقر التلفزيون الرسمي في أصفهان، ومقر محافظة شازند، كما تم تسجيل هتافات ومطالب بإسقاط النظام بشكل مباشر، في تطور لافت لنوعية المطالب من اقتصادية اجتماعية إلى سياسية، لم تجد السلطات الإيرانية حلاً إلا قطع الإنترنت في بداية الأمر، للحد من التعبئة للمشاركة في المظاهرات، ومنع نقل الوضع الحقيقي في الشارع الإيراني، ثم استعمال القوة المفرطة لتفريق المتظاهرين، وصلت حد إطلاق النار والرصاص الحي، ما أدى إلى سقوط ضحايا، حسب تقارير مجموعة من المنظمات الحقوقية الدولية.
وكما جرت عادتها، حاولت السلطات الإيرانية تصريف الأزمة وإلباسها لباس الفتنة والخيانة والعمالة للخارج، حيث اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بإشعال فتيل الاحتجاجات، وتجنيد عملاء وخونة داخليين للقيام بأعمال العنف والتخريب، متوعدة إياهم بالعقاب والحساب الشديد، في محاولة لترهيب المتظاهرين.
وعقب ذلك، دخلت مجموعة من القوى الدولية على الخط، في دعوة مباشرة لسلطات طهران إلى ضبط النفس واحترام حقوق الإنسان، خصوصاً الحق في التظاهر. كما أن الرئيس الأمريكي ترامب وجّه تهديداً مباشراً للنظام الإيراني بتوجيه ضربات في حالة قتل المتظاهرين أو استعمال العنف ضد المواطنين.
تقسيم عدد من الدول على أساس عرقي ومذهبي طائفي في النطاق الإقليمي (العراق، سوريا، لبنان، اليمن…)، في محاولة لتكريس التمدد الشيعي في الشرق الأوسط، لتحقيق توازن استراتيجي وضمان مصالح أكبر، واحتلال مكانة في الخارطة الدولية الجديدة القائمة على توافقات وصفقات، منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو في السراديب المظلمة. وما عملية اغتيال إسماعيل هنية، على بعد أمتار من الإقامة الرئاسية، إلا علامة استفهام حول التوافقات التي قد تبرمها طهران حفاظاً على مصالحها في المنطقة. فهل تتذوق إيران من نفس الكأس الذي كانت تسقيه لعديد الدول المجاورة، وتنجح الثورة الشعبية في إسقاط نظام قام، هو الآخر، على الثورة؟.

زر الذهاب إلى الأعلى