Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدارسلايدر

السيادة وفن الدبلوماسية في عالم بلا مناطق رمادية.

 

يشهد النظام الدولي لحظة إنعطاف حادة، تتقلص فيها المناطق الرمادية بوتيرة مقلقة، لتتهاوى معها السرديات التي طالما غلفت التحالفات بخطاب القيم المشتركة والمبادئ الكونية. فالعالم اليوم يعود إلى منطق الصفقات الآنية، وحسابات الأمن والطاقة وسلاسل الإمداد، حيث لا مكان للحياد المريح، ولا اعتراف إلا بمن يمتلك القدرة على المناورة أو فرض الكلفة. في هذا السياق المتشظي، تغدو الدول النامية أمام سؤال وجودي لا يحتمل التأجيل وهو كيف تصان السيادة حين تتصارع الفيلة، وحين يصبح الوقوف في المنتصف مخاطرة بحد ذاته؟

لقد إنتقلت الدبلوماسية من فن وعلم التفاوض وإدارة العلاقات بين الدول والمنظمات الدوليةباستخدام اللباقة والكياسة والحكمة، إلى فن “إدارة الانحياز” بأقل الخسائر الممكنة. ولم يعد المطلوب إعلان الولاءات بقدر ما صار المطلوب هندسة التوازنات، والمشي بين الألغام دون إنفجار، واللعب مع الكبار دون التحول إلى بيدق على رقعتهم. فالذكاء الدبلوماسي في زمن الاصطفاف القاسي هو القدرة على تحويل الموقع الجغرافي، والرصيد السياسي والموارد إلى عناصر قوة تفاوضية تجعل الدولة شريك مرغوب فيه، لا مجرد تابع مستهلك.
في خضم هذا التحول الدولي العميق يبرز الشرق الأوسط بوصفه مسرح لهذا التحول و منطقة تتقاطع فيها صراعات النفوذ، وتتشابك فيها حروب الظل والردع غير المعلن. فإيران حيث أضحت تتقاطع التوترات الداخلية المستمرة مع إدراك إقليمي ودولي متنام بأن النظام الذي كان يؤدي وظيفة محددة في معادلات المنطقة، وظيفة الضبط عبر التوتر وتصدير الأزمات، إستنفد جزء كبير من جدواه. فحسابات القوى الكبرى، المتأرجحة بين الاحتواء والمقايضة، وبين الردع والتعايش القسري لم تعد تدار انطلاقا من سلوك النظام الخارجي، بل أيضا من هشاشته الداخلية ومن قابلية الشارع الإيراني للتحول إلى عامل تفكيك لا يمكن تجاهله. هكذا لم يعد السؤال يدور حول قدرة النظام على إدارة التوتر، بقدر ما بات يتعلق بقدرته على الإستمرار في أداء دور إقليمي فقد مبرراته، في زمن تتغير فيه موازين القوة من الداخل قبل أن تفرض من الخارج.
وفي مناطق نزاع أخرى، من أوروبا الشرقية إلى بحر الصين الجنوبي والساحل الإفريقي، تتأكد الحقيقة نفسها، فلا حلول نهائية، بل إدارات مؤقتة للصراع، ولا سلام دائم بل توازنات قابلة للاهتزاز في كل حين.
وسط هذا المخاض العالمي، تتميز بعض القوى الصاعدة بقدرتها على قراءة اللحظة لا بعين الرغبة الظرفية، بل بعين الواقع والحكمة ويبرز المغرب في هذا السياق، بوصفه نموذج لدبلوماسية هادئة وعملية، ديبلوماسية راكمت المكاسب دون ضجيج، فبنت الشراكات على أساس تعدد الخيارات لا إرتهانها، من خلال تنويع الحلفاء الجدد دون التفريط في القدامى وربط الإقتصاد بالسيادة الوطنية ، والإستثمار في الحفاظ على الأمن و الاستقرار كقيمة إستراتيجية. المغرب الذي نجح في توسيع هامش المناورة، وتحويل موقعه الجيوسياسي إلى رافعة تفاوضية، إنها هندسة دبلوماسية قادها جلالة الملك محمد السادس نصره الله على أساس أن التموقع والتأثير الدولي الحقيقي لا يعني القطيعة بل القدرة على الإختيار وفق قاعدة الشراكة المتوازنة المبنية على إحترام السيادة و المصالح المتبادلة.

ختاما، تحمل سنة 2026 ملامح مرحلة دقيقة تفرض على السياسة الخارجية للمملكة المغربية القدرة العالية من اليقظة والبرودة الإستراتيجية، ورؤية إستشرافية ترى العالم كما هو، لا كما يراد له أن يكون، في سياق دولي تآكلت فيه المناطق الرمادية وإشتدت فيه الإصطفافات وارتفعت كلفة الصدام. إنها لحظة تستدعي الجمع بين الحكمة والقوة، وبين المرونة والصرامة، بما يتيح إدارة الخلافات لا الإنجرار إليها، وفرض التوازن بدل البحث عن المواجهة، وتحويل المخاطر الجيوسياسية إلى فرص لتعزيز المكانة والدور. ففي عالم مضطرب اصبحت الضرورة تفرض إستباق التحولات، وصناعة النفوذ الهادئ وترسيخ دبلوماسية براغماتية ذات نفس إستراتيجي طويل، تحافظ على إستقلال القرار المغربي وتؤمن مصالحه العليا، وتثبت حضوره كفاعل متزن وموثوق في معادلات النظام الدولي المتغير.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي.

زر الذهاب إلى الأعلى