Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار دوليةسلايدر

غار جبيلات و سؤال الصحراء الشرقية في زمن التحولات الجيوسياسية

يحمل المقال موضوع المقال المنشور في صحيفة The New York Times بتاريخ 31 ماي 1970، وربطه بمستجدات غتر جبيلات الأخيرة ،قيمة تتجاوز البعد الإخباري الظرفي، ليغدو وثيقة سياسية كاشفة عن لحظة مفصلية في تاريخ العلاقات المغربية و الجزائرية، لحظة كان فيها منطق التسوية والتكامل هو الإطار الناظم للتفاعلات في ظل زمن الاصطفافات الأيديولوجية. لقد أورد المقال أن المغرب والجزائر توصلا آنذاك إلى إنهاء نزاعهما الحدودي عقب لقاء جمع الملك الحسن الثاني طيب الله تراه والمقبور الجزائري هواري بومدين بمدينة تلمسان، في سياق إقليمي موسوم بآثار حرب الرمال لسنة 1963 التي شكلت عقدة لدى حكام الجزائر الى يومنا هذا، وبخاصة حول منطقة تندوف الغنية بخامات الحديد، وعلى رأسها منجم غار جبيلات وسؤال الصحراء الشرقية المغربية.

تكمن أهمية هذا المقال في أن الصحيفة الأمريكية تحدثت وبصراحة عن وجود تسوية نزاع حدودية حينها، وعن إتفاق يقضي بالإستغلال المشترك للثروات المعدنية بتندوف، مع إحداث لجنة ثنائية لترسيم الحدود بالإستناد إلى الخرائط التي وضعتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية. وهي صيغة لا تستعمل في سياق منطق القانون الدولي، إلا حين تكون الأرض موضوع الإستغلال محل نزاع أو خاضعة لترتيبات إنتقالية، مما يؤكد أن السيادة النهائية على المنطقة لم تكن قد إستقرت بعد، وأن الحدود الموروثة عن الإستعمار الفرنسي لم تكن مرسمة بشكل دقيق عند الإستقلال، بل تركت وبشكل عمدي في وضع ملتبس يخدم قابلية التفجير المستقبلي.
ويكشف ذات المقال على أن الخرائط الفرنسية كانت، في الغالب، تضع مكامن الحديد جنوب تندوف داخل المجال الجزائري، وهو ما شكل الخلفية التقنية لخلاف سياسي سيعاد إنتاجه لاحقا في سياقات مختلفة. غير أن الأهم هو أن النقاش حينها لم يكن يتخد شكلا صدامي، بل إندرج ضمن تصور إستراتيجي للتكامل الإقتصادي، حيث جرى التداول في إمكانية نقل الحديد عبر خط سكة حديدية يمر من التراب المغربي نحو الساحل الأطلسي، و بما يعكس رؤية مغاربية ناشئة ترى في الجغرافيا عامل وصل لا عامل فصل وإنقسام.
وفي السياق الإقليمي الأوسع، ربط المقال التقارب المغربي و الجزائري بتفاهم سياسي بين البلدين حول تنسيق الجهود من أجل تصفية مخلفات الاستعمار الإسباني، سواء في الصحراء الغربية المغربية، أو في سبتة ومليلية ذات الوضع الخاص. وهي معطيات تبرز بجلاء أن قضية الصحراء لم تكن حينها مطروحة كنزاع مغاربي أو كمسألة مفتعلة تحت مسمى تقرير مصير و منفصلة عن المغرب، بل كجزء من مسار تحرري أوسع يستهدف إنهاء الوجود الاستعماري الأجنبي.
إن الدلالة الجوهرية لهذا المقال تكمن في كونه يوثق و من منظور صحفي دولي مستقل، ثلاث حقائق مركزية، أولها أن منطقة تندوف كانت محل نزاع مباشر بين المغرب والجزائر قبل أن تتحول وبخبت بومدين إلى ركيزة في بناء أطروحة إنفصالية، وثانيها أن منطق التعاون والشراكة كان هو السائد مطلع السبعينيات وليس منطق الصدام أو التقسيم، وثالثها أن الصحراء كانت تدرج دوليا ضمن ملف تصفية الإستعمار الإسباني، لا ضمن نزاع داخلي معاد التأطير لاحقا لخدمة اعتبارات جيوسياسية جديدة.
لذلك لا يمكن قراءة شروع الجزائر اليوم في إستغلال منجم غار جبيلات بشكل أحادي باعتباره قرار اقتصادي صرف أو معزول عن سياقه التاريخي والسياسي. بل إن هذا الفعل يشكل في جوهره إخلال بأحد الأعمدة غير المعلنة التي قامت عليها تسوية 1972، تلك التسوية التي قبل فيها المغرب بترسيم حدود موروثة عن الإستعمار والتي لم تتم الى يومه ، رغم امتلاك المملكة لأسس تاريخية وإدارية وقانونية وازنة للطعن في كل إدعاء بخصوصها دوليا، مقابل شراكة إستراتيجية في إستغلال غار جبيلات.
وبالرجوع الى مقتضيات القانون الدولي للمعاهدات، فإن أي خرق لإتفاق جوهري يفتح المجال لإعادة تقييم منظومة الإلتزامات المرتبطة به، بما فيها الالتزام الحدودي نفسه، وهو ما يجعل ملف الصحراء الشرقية و من زاوية قانونية صرفة، أحد الملفات الحساسة التي يلم تغلق نهائيا والتي تخشى الجزائر فتحها من قبل المغرب في كل لحظة من تاريخ نزاع الصحراء المفتعل، ملف يعمل الباحثون في حقل العلاقات الدولية بين البلدين أنه ثم تجميده سياسيا في إنتظار إحترام شروط التسوية التي تأسس عليها في ضل تحولت جيو سياسية إرتبطت بأوج الحرب الباردة .
إن التاريخ الإداري والسياسي لتندوف يؤكد ارتباطها بالمغرب إلى غاية خريف سنة 1962، وكان آخر قائد مغربي بها هو القائد السنهوري الجكني، كما تقر بذلك الوثائق الفرنسية نفسها التي توثق لإقتطاع هذه المناطق بشكل تدريجي من المجال المغربي لأسباب استعمارية محضة ومن مجالات أخرى حدودية كمجال ليبيا وتونس.

ختاما، إن إستحضار هذه المعطيات اليوم، وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة إقليميا ودوليا، يمنح لملف غار جبيلات بعدا يتجاوز كونه مشروع منجمي إستراتيجي، ليتحول كمدخل لإعادة طرح إشكالات سيادية خامدة تنتظر ساعة إستقاضها السياسي، وفي مقدمتها ملف الصحراء الشرقية.فما كتب في النيويورك تايمز سنة 1970 لم يكن مجرد خبر عابر، بل شهادة على لحظة ضائعة من تاريخ الدول المغاربية، وعلى تسوية لم تستكمل شروطها، لتعود اليوم إلى الواجهة في زمن تتغير فيه موازين القوة ومنطق التحالفات.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيحي.

زر الذهاب إلى الأعلى