Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
سلايدرمغرب

فيضانات القصر الكبير: اختبار حقيقي للتدبير الاستباقي والمسؤولية المجتمعية

الدار/

تعيش مدينة القصر الكبير، إلى جانب عدد من مدن الشمال والشمال الغربي للمملكة، حالة قصوى من التأهب واليقظة، بفعل اضطرابات مناخية غير مسبوقة تميزت بتساقطات مطرية غزيرة لم تشهدها المنطقة منذ سنوات. وتُعد القصر الكبير من أكثر المدن عرضة لخطر الفيضانات، بحكم موقعها الجغرافي المنبسط ووجودها أسفل سد واد المخازن، الذي يشكل في الظروف العادية درعاً واقياً للمدينة، لكنه قد يتحول إلى مصدر تهديد حقيقي في حال تجاوز قدرته على استيعاب كميات المياه المتدفقة في فترة زمنية وجيزة، خاصة مع فيضان نهر اللوكوس الذي يمثل المنفذ الطبيعي الوحيد لتصريف المياه.

وقد ظهرت ملامح الوضعية الحرجة نهاية الأسبوع المنصرم، عندما غمرت السيول عدداً من الأحياء والمرافق الحيوية داخل المدينة، ما استدعى تدخلاً عاجلاً من طرف السلطات العمومية. ولم تقف هذه الأخيرة مكتوفة الأيدي، بل سارعت إلى تفعيل خطة تدخل ميداني شملت إجلاء السكان المحاصرين بالمياه، ودعوة المواطنين إلى مغادرة المدينة، مع تسهيل عمليات التنقل عبر مختلف وسائل النقل المتاحة، إلى جانب إحداث مراكز إيواء مؤقتة في مناطق آمنة لفائدة من تعذر عليهم المغادرة.

وشاركت في هذه العمليات مختلف الأجهزة، من القوات المسلحة الملكية، بتعليمات مباشرة من الملك محمد السادس، القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، إلى جانب السلطة المحلية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والوقاية المدنية، وذلك بتنسيق محكم وتعاون وثيق مع الساكنة، في تجسيد واضح لروح التضامن الوطني في أوقات الأزمات.

وبقدر ما أبرزت هذه المحطة قدرة المغرب على التدبير الاستباقي للأزمات والتعامل مع الكوارث الطبيعية، رغم محدودية الإمكانيات مقارنة ببعض الدول الكبرى، فإنها أكدت أيضاً أهمية دور اليقظة والتنبؤ بالمخاطر، من خلال المعطيات التي توفرها المديرية العامة للأرصاد الجوية، والتي ساهمت في تقييم الوضع واتخاذ قرارات سريعة لتفادي الأسوأ وحماية الأرواح فقد كشفت، في المقابل، عن عدد من الاختلالات البنيوية والسلوكية التي لا تزال تطبع المشهد العام. في مقدمتها ضعف التواصل الرسمي من طرف القطاع الوصي، ما فتح المجال أمام انتشار الشائعات والأخبار الزائفة التي غذت الخوف ونشرت الهلع. إضافة إلى عقلية الممانعة لدى البعض في مغادرة المساكن والاستخفاف بالخطر، ففي الوقت الذي تعمل فيه السلطات على إبعاد المواطنين عن مناطق الخطر، نجد البعض يقف على حافة منحدر تتحرك تربته وتنذر بانهيار وشيك، أو فوق قنطرة تكاد تغمر بمياه النهر، في استهتار جلي قد يؤدي إلى خسائر بشرية جسيمة.

وسُجل أيضاً غياب لافت للفاعلين السياسيين على المستوى الوطني، باستثناء بعض المبادرات المحلية المحدودة، حيث لم تُواكب أغلب الأحزاب هذه المحنة بتنظيم قوافل مساعدة أو إطلاق حملات إيواء للأفراد داخل مقراتها الإقليمية أو الجهوية، كما لم تعبئ شبيبتها للمساهمة في عمليات الإجلاء أو توفير الدعم. وينسحب هذا الغياب كذلك على عدد من المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين ينشطون بكثافة في الترويج للأحداث الترفيهية والرياضية، لكنهم يختفون في لحظات الأزمات التي تتطلب التعبئة والتحسيس والمسؤولية المجتمعية.

ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال السلوك الانتهازي لبعض تجار الأزمات، الذين استغلوا الوضع لتحقيق أرباح غير مشروعة، سواء عبر الرفع المبالغ فيه لأسعار بعض المواد أو مضاعفة أثمنة كراء المساكن في المناطق المجاورة، في مشاهد تعكس غياب الوازع الأخلاقي لدى البعض.

ورغم قساوة الظرف، تبقى الثقة قائمة في قدرة المغرب على تجاوز هذه المحنة، كما تجاوز أزمات وكوارث سابقة، بفضل تضافر الجهود الرسمية والشعبية. وستظل ذاكرة المواطنين شاهدة على من رابطوا ليلاً ونهاراً، وضحوا بوقتهم وجهدهم، من أجل حماية الأرواح وخدمة الصالح العام في لحظة فارقة من تاريخ المدينة.

ياسين المصلوحي

كاتب مقالات رأي

زر الذهاب إلى الأعلى