هل قايض عسكر المرادية وهم الانفصال في الصحراء بأنبوب غاز نيجيريا-النيجر؟

رشيد عفيف
لم تمض سوى أيام قليلة على انطلاق مباحثات مدريد حول تسوية نزاع الصحراء المغربية حتّى شهدت العاصمة الجزائرية دينامية دبلوماسية غير مألوفة، حاول نظام العسكر تسويقها باعتبارها انتصارا لكنها لا تخرج في حقيقتها عن نطاق الصورة الأكبر لما تشهده المنطقة من تحوّلات جيوستراتيجية جوهرية. فخلال اليومين الماضيين استقبلت الجزائر مسؤولَين كبيرين من بلدين تشهد علاقاتهما توترا منذ فترة طويلة: رئيس جمهورية النيجر عبد الرحمان تيامي، ووزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز.
لنتأمل هذا المثلث: نظام العسكر في الجزائر، جمهورية النيجر، والجمهورية الفرنسية. تشهد العلاقات النيجرية والفرنسية توترا كبيرا منذ يوليوز 2023 بعد الإطاحة بالنظام السابق عقب انقلاب في نيامي. وجاءت زيارة الرئيس النيجري إلى الجزائر بعد أيام قليلة من اتهام عضو بارز في المجلس العسكري النيجري فرنسا بأنها “ستشن حربا على النيجر”، لأن الأخيرة هي “المسؤولة عن تدهور الوضع الاقتصادي في فرنسا”، حسب قوله.
ودعا الجنرال أمادو إيبرو -المقرب من قائد المجلس العسكري الجنرال عمر عبد الرحمن تياني خلال اجتماع أمام مجموعة من الشباب بملعب في العاصمة نيامي يوم الأربعاء- المواطنين النيجريين إلى الاستعداد لخوض حرب مع فرنسا. وأضاف -في حديثه الذي انتشر على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي الخميس- قائلا: “اعلموا أننا سندخل في حرب مع فرنسا”.
مباشرة بعد هذا التصعيد الكلامي يحلّ الرئيس النيجري بالجزائر ويشير في خطاب ألقاه بعد لقائه مع الرئيس الجزائري بأن الجزائر لا يمكن أن تكون منصة لضرب جيرانها، وبينما رأى البعض في ذلك إشادة بدور الجزائر، رأى آخرون أن الأمر لا يتعلق بإشادة بقدر ما يتعلق بتحذير ضمني وجهه رئيس النيجر لنظيره الجزائري من مغبة تواطؤ جزائري مع فرنسا لضرب بلاده عسكريا كما فعلت الجزائر سابقا في عدة مناسبات ومع دول أخرى مثل مالي.
وتنظر دول الساحل مثل النيجر ومالي وبوركينافاسو إلى الجزائر باعتبارها قاعدة تنطلق منها هجمات بالمسيرات والمقاتلات الجوية لاستهداف مواقع عديدة داخل هذه البلدان، كما تعتبرها قاعدة خلفية للجماعات الإرهابية التي تزعزع استقرار المنطقة وعلى رأسها تنظيم داعش في منطقة الساحل والصحراء.
وبينما تجاهلت الكثير من القراءات هذا البعد الأمني الحساس في منطقة الساحل، تم التركيز في وسائل الإعلام الجزائرية الرسمية بقوة على إعلان الرئيس الجزائري من جانب واحد لقرب إطلاق مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء عبر النيجر نحو الجزائر، والذي ادّعى أن أشغاله ستبدأ مباشرة بعد رمضان دون أن يوضح ميزانيته أو مراحله أو مصادر تمويله، أو حتى موقف نيجيريا البلد المصدّر للغاز بخصوصه.
لكن هذا الإعلان الذي جاء مباشرة بعد مباحثات مدريد التي تشارك فيها الجزائر إلى جانب موريتانيا والمغرب وجبهة البوليساريو، قد يوحي بوجود صفقة برعاية أمريكية تدعم أنبوب الغاز العابر للصحراء عبر النيجر مقابل تعاون جزائري كامل فيما يتعلق بتنفيذ مشروع الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، والانخراط بشكل إيجابي كامل في هذه المفاوضات قصد التسريع من وتيرة التوصل إلى حل في أجل أقصاه شهر يونيو القادم.
من الناحية الجيوستراتيجية تنظر الجزائر إلى أنبوب الغاز العابر للصحراء نيجيريا-النيجر فرصة لإحكام قبضتها على تزويد الأسواق الأوربية بالغاز الطبيعي، وتخشى فقدان هذا الامتياز في حال تنفيذ مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الذي يمر عبر 13 إفريقية نحو المغرب ثم أوربا. لكن ماذا لو اقترحت واشنطن دعم المشروع الأول مقابل تفاعل الجزائر على نحو إيجابي مع مقترح الحكم الذاتي ودخولها في مسار المفاوضات كعامل استقرار وليس كعامل تخريب.
وبينما يقترح المغرب مشروعا أكثر اندماجا وهيكلة لدول غرب إفريقيا، ولا يركز فقط على احتياجات أوربا بقدر ما يدمج البعد التنموي الإقليمي، تراهن الجزائر على لعب دور الممون الرسمي لأوربا بالغاز، للحفاظ على مكانة مزعومة في الإقليم المغاربي. ومن المؤكد أن النظام العسكري في الجزائر والذي يلاحظ أن ورقة الانفصال في الصحراء بدأت تنفلت من بين يديه بعد التدخل الأمريكي الفعّال، أضحى مستعدا لمقايضة 50 عاما من الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي لمشروع الانفصال في الصحراء المغربية بالحصول على هذا الامتياز المزعوم باحتكار تموين أوربا بالغاز الطبيعي. فهل باع عسكر المرادية وهم الانفصال في الصحراء بأنبوب غاز نيجيريا-النيجر؟






