أخبار الدارأخبار دوليةسلايدر

جزر الكناري تستعيد ذاكرة الدم: تكريم ضحايا هجمات البوليساريو يعيد فتح ملف الصيادين الإسبان المنسي

الدار/ مريم حفياني

عادت قضية الهجمات التي استهدفت الصيادين الكناريين في المحيط الأطلسي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلى الواجهة من جديد، بعد أن احتضنت مدينة لاس بالماس في جزيرة Gran Canaria مراسم تكريم لضحايا تلك العمليات التي نسبت إلى جبهة البوليساريو، في مبادرة أعادت إحياء واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ جزر الكناري.

المبادرة نظمتها Asociación Canaria de Víctimas del Terrorismo (ACAVITE)، وهي جمعية تعنى بالدفاع عن حقوق ضحايا الإرهاب في الأرخبيل الإسباني، حيث أقيمت مراسم رمزية في ساحة “بلازا دي لا كونكورديا” بحضور مسؤولين محليين وشخصيات مدنية وعسكرية، إلى جانب ممثلين عن جمعيات الضحايا. كما حضر الحدث دبلوماسيون من بينهم القنصل العام للمملكة المغربية في جزر الكناري، فتيحة الكاموري، في مشهد يعكس البعد الإنساني والسياسي لهذا الملف الذي ظل لسنوات طويلة في هامش النقاش العام داخل إسبانيا.

وتزامنت هذه المراسم مع إحياء European Day for Victims of Terrorism، وهو يوم رمزي خصصه الاتحاد الأوروبي لتخليد ذكرى ضحايا العنف السياسي، غير أن المناسبة في جزر الكناري أخذت طابعاً خاصاً، إذ أعادت تسليط الضوء على سلسلة الهجمات التي تعرضت لها قوارب الصيد الكنارية في المياه القريبة من السواحل الصحراوية خلال فترة اتسمت باضطرابات سياسية وأمنية حادة في المنطقة.

وخلال هذا الحدث، استحضرت مؤسسة الجمعية Lucia Jimenez Gonzalez معاناة عشرات العائلات التي فقدت أبناءها في تلك العمليات، مشيرة إلى أن أرشيف الجمعية يوثق مقتل أو اختفاء ما يقارب 289 مواطناً من جزر الكناري بين عامي 1973 و1986، أغلبهم من الصيادين والبحارة الذين كانوا يمارسون نشاطهم المهني في عرض المحيط. ووفق شهادات عائلات الضحايا وتقارير إعلامية إسبانية تعود إلى تلك المرحلة، فإن عدداً من قوارب الصيد تعرض لإطلاق النار أو للهجوم أثناء وجودها في مناطق الصيد التقليدية التي اعتاد الصيادون الكناريون العمل فيها منذ عقود.

ويؤكد متابعون للشأن الإسباني أن هذه القضية تمثل جزءاً من ذاكرة تاريخية معقدة تعود إلى مرحلة ما بعد انسحاب إسبانيا من الصحراء سنة 1975، حين دخلت المنطقة في مرحلة صراع إقليمي امتدت تداعياته إلى المجال البحري القريب من جزر الكناري. ففي تلك الفترة، كان العديد من الصيادين الإسبان يعملون في المياه الأطلسية المجاورة للسواحل الصحراوية، وهو ما جعلهم عرضة لمخاطر أمنية في ظل تصاعد العمليات المسلحة المرتبطة بالنزاع.

إحياء هذه الذكرى يعكس أيضاً تحولاً تدريجياً في طريقة تعامل المجتمع الكناري مع تلك الأحداث، بعد سنوات طويلة من الصمت أو التجاهل. فجمعيات الضحايا، وعلى رأسها جمعية ACAVITE، تطالب منذ مدة باعتراف رسمي أوسع بهذه الهجمات ضمن سجل ضحايا الإرهاب في إسبانيا، على غرار ضحايا تنظيمات أخرى مثل ETA، معتبرة أن الضحايا الكناريين يستحقون المكانة نفسها في الذاكرة الوطنية.

ويؤكد منظمو هذا التكريم أن الهدف لا يقتصر على استحضار الماضي، بل يتعداه إلى الدفاع عن حق العائلات في الاعتراف والإنصاف التاريخي، خاصة أن كثيراً من هذه العائلات ما زالت تعتبر أن معاناة الصيادين الكناريين لم تحظ بالاهتمام الكافي مقارنة بملفات أخرى مرتبطة بالإرهاب في أوروبا.

وفي ظل التحولات السياسية التي تعرفها منطقة شمال إفريقيا وتطور العلاقات بين إسبانيا والمغرب في السنوات الأخيرة، يبدو أن إعادة فتح هذا الملف من زاوية الذاكرة والإنصاف قد يساهم في إلقاء الضوء على جانب من التاريخ الإقليمي الذي ظل لفترة طويلة بعيداً عن النقاش العام، رغم تأثيره المباشر على حياة مئات العائلات في جزر الكناري.

زر الذهاب إلى الأعلى