أخبار الدارسلايدر

مؤسسة شيوخ قبائل الصحراء ضمانة جيوسياسية لتنزيل الحكم الذاتي.

 

فرضت التحولات الجيوسياسية والإكراهات المرتبطة بتدبير النزاعات الإقليمية، وفي إطار إحترام قواعد القانون الدولي العام ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ضرورة إعادة تأهيل مؤسسة شيوخ القبائل الصحراوية بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، بما يسمح بالإنتقال من وظيفة تقنية محدودة إرتبطت بمسطرة تحديد الهوية والتي أطرها القرار 690 الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 29 أبريل 1991، إلى فاعل مساهم في هندسة تنزيل الحكم الذاتي وفق مقاربة تشاركية مواطنة تضمن الفعالية والشرعية المحلية.

ويستدعي هذا التحول العميق الذي فرضه قرار 31 أكتوبر 2025 الصادر عن مجلس الأمن ، إدماج هذه المؤسسة القبلية المستقلة ضمن هندسة قانونية تستحضر مبدأ تقرير التوافقية كما تكرسه الممارسة الأممية الحديثة القائمة على الحلول السياسية الواقعية والمتفاوض بشأنها. كما يكتسب هذا التوجه نحو مأسسة شيوخ القبائل دلالته السوسيولوجية من كونه يعيد توظيف الرأسمال الرمزي الذي راكمته هذه الفئة داخل البنية القبلية الصحراوية بالجنوب المغربي، والتي تستمد شرعيتها من القدرة على إنتاج الإمتثال الإجتماعي وضبط التوازنات الداخلية. فتحويل هذه الشرعية من مستواها العرفي إلى مستوى مؤسساتي يندرج ضمن دينامية تحديث التقليد ، أي إدماج البنيات الإجتماعية التقليدية ضمن آليات الدولة الحديثة دون تفكيكها، وبما يضمن إستمرارية النسق الإجتماعي وتفادي القطيعة التي قد تؤدي إلى خلق هشاشة إجتماعية.
إن استشراف مستقبل الصحراء المغربية وفي إطار تنزيل الحكم الذاتي تماشيا مع القرار 2797، يمر حتما عبر مأسسة مؤسسة شيوخ القبائل، ليس فقط باعتبارها بنية تقليدية متجذرة في المجتمع الصحراوي، بل بوصفها فاعل وسيط يساهم في إنتاج الشرعية وتعزيز الحكامة الترابية. و هنا يبرز وحسب رأينا المتواضع مقترح إحداث “مجلس الحكماء أو مجلس الشيوخ أو مجلس شيوخ القبائل” كهيئة إستشارية ذات طابع مواز للمؤسسات المنتخبة، تضطلع بوظائف التحكيم الاجتماعي وصون الخصوصية الثقافية، في إنسجام مع مبادئ التعددية الثقافية كما يقرها القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما يقوم هذا المجلس بوظيفة الوسيط بين الدولة والمجتمع، ويسهم في إمتصاص التوترات عبر تفعيل منطق التوافق، بما يعزز آليات العدالة التصالحية كبديل تكميلي للقضاء النظامي.
وفي هذا الإطار، يتعين إعادة تعريف دور شيوخ تحديد الهوية باعتبارهم فاعلين مركزيين في إعادة بناء الثقة الاجتماعية، خاصة في سياق يتسم بتشتت الإنتماءات الجغرافية، كما ستتم المساهمة في تقليص المسافة الاجتماعية بين مختلف الفاعلين داخل المجال الصحراوي، و إستثمار الروابط القبلية وشبكات الإنتماء، وهذا ما سيسر إدماج من بمخيمات تندوف ممن شملهم إحصاء 1974 في إطار إحترام مبادئ العودة الطوعية والآمنة والكريمة كما يقرها القانون الدولي الإنساني. أضف إلى ذلك الاضطلاع بوظيفة التصديق الاجتماعي، بإعتبار أن شيوخ القبائل لديهم دراية مهمة بالأنساب القبلية ومختلف بطونها، كآلية رمزية ومجتمعية تكمل المساطر الإدارية وتعزز إندماج العائدين داخل النسيج المحلي.
كما لا ينفصل البعد التنموي عن امتداداته السوسيولوجية، حيث يشكل التمكين الاقتصادي رافعة لإعادة تشكيل أنماط الولاء الإجتماعي على أسس تعاقدية حديثة. وهنا تتجلى أهمية إحداث “وكالة التنمية المحلية المندمجة” كآلية مؤسساتية تعتمد الحكامة متعددة المستويات، وتضمن التوزيع العادل للموارد الطبيعية وفق مبادئ العدالة المجالية. كما يمكن لهذه الوكالة أن تشرف على “صندوق تضامن قبلي حديث” يربط الفئات الشابة بمشاريع إستثمارية، بما يعزز الإندماج الإقتصادي ويكرس الاستقرار الإجتماعي.
أما على مستوى الدبلوماسية الإقتصادية في أبعادها السوسيولوجية، فإن تفعيل هذا الورش يتطلب الإنتقال من منطق الإستثمار التقني الصرف إلى منطق الاندماج الإجتماعي للإقتصاد، حيث تصبح المشاريع التنموية أداة لإعادة إنتاج الثقة وبناء شبكات ترابط إجتماعي جديدة. فالدبلوماسية الإقتصادية لا تقتصر على إستقطاب رؤوس الأموال أو تسويق المجال بل تؤدي وظيفة رمزية في إعادة تشكيل صورة المجال الصحراوي كفضاء للإستقرار و تكافئ الفرص، وهو ما يعزز ما يمكن تسميته بـ”الشرعية التنموية”. كما تساهم في إنتاج فاعلين محليين جدد يجمعون بين الرأسمال الإقتصادي والرأسمال الإجتماعي، وبما يعيد توزيع موازين القوة داخل المجتمع ويحد من التوترات. ومن جهة أخرى، يتيح إشراك الفاعلين المحليين في الترويج للمشاريع الكبرى وبناء سردية إقتصادية ذات مصداقية دولية، تعكس التفاعل الإيجابي بين الدولة والمجتمع، وتدعم تموقع المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية في إطار إحترام مبادئ التنمية المستدامة.
أما على المستوى الخارجي، فإن تفعيل الدبلوماسية المجتمعية يشكل رافعة لتعزيز مشروعية مبادرة الحكم الذاتي، من خلال تمكين الفاعلين من الترافع داخل المحافل الدولية، وفق آليات التمثيل غير الرسمي. ويساهم هذا الإنخراط في إنتاج خطاب شرعي متجذر في الواقع الإجتماعي، يعزز ما يعرف بـالقوة الناعمة المجتمعية، ويمنح السردية المحلية مصداقية تتجاوز الخطاب الرسمي نحو تمثيل أكثر واقعية وفعالية.

ختاما، إن إعادة تموقع مؤسسة شيوخ القبائل ضمن هذا التصور لا تمثل مجرد إستعادة لدور تقليدي، بل تشكل مدخلا إستراتيجي لإعادة التوازن بين الشرعية التاريخية والشرعية القانونية، في أفق تنزيل فعال للحكم الذاتي يستجيب للشروط المغربية و للمعايير الدولية، ويضمن في الآن ذاته إستدامة السلم الإجتماعي وتعزيز الإندماج الترابي في إطار السيادة الوطنية.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي.

زر الذهاب إلى الأعلى