سلايدرمغرب

الشرعية الدستورية ضد الإنتخابات المحسومة سلفا، قراءة في المشهد السياسي القادم.

 

ونحن على مشارف توديع شهر يوليوز، و مع إرتفاع حرارة الطقس إعلانا بدخول شهر غشت، تشتد حمى البنادير التي تعزف ألحان حملات إستبقت أوانها لتسويق الوعود، ولتتضاعف الشائعات والتكهنات التي تحاول رسم ملامح المشهد السياسي القادم، مستندة إلى تسويق تفس الأسماء القديمة و أخرى جديدة و صياغة سيناريوهات جاهزة لمخرجات إنتخابات وضعت على المقاس. غير أن التمعن في هذا التهافت يتطلب وقفة إمعان لتفكيك التدافع الحاصل بين النص الدستوري والواقع الميداني، لنستحضر معها الدروس البليغة للتاريخ السياسي الوطني وزمن النضال ومكانة نسائه ورجاله الحقيقين.

أمام هذا المشهد العام الذي دفع الكثير من أبناء الوطن الى العزوف السياسي، في مشهد أضحى فيه الوطن طائرة محجوزة المقاعد لأصحاب المال والنفود، لا بأس أن نستحضر الفصل 47 من دستور 2011، هذا الفصل الذي يظل الصخرة التي تتكسر عليها كل التأويلات الإستباقية، لمشهد لم يكتمل بعد، فلا أحد يعلم ما تخفيه الأيام، إذ ينص الفصل 47 بصريح عبارته على أن تعيين رئيس الحكومة يكون من الحزب الذي يتصدر إنتخابات أعضاء مجلس النواب، الأمر الذي يجعل أي حديث عن حتمية التعيين خارج هذا السياق قفز مكشوف على المنطق المكتوب والشرعية الدستورية.
من هنا، فإن طرح فرضيات من قبيل ترشح كفاءات تكنوقراطية بأسماء حزبية محددة أو رهان حسم النتائج لصالح حزب بعينه، لا يتعدى كونه سيناريو ضمن سيناريوهات متعددة في خريطة حافلة بالمتغيرات والتوازنات المتحولة.
نعود هذه المرة لنستحضر التاريخ ونعرج بالمتلقي الكريم تلك المحطات من الذاكرة السياسية الوطنية القريبة، كتجربة تحالف G8 في إنتخابات سنة 2011، والتي منحتنا حينها درس أهم في فهم الهندسة الإنتخابية، حين ساد إطباق إعلامي وسياسي يرجح كفة ذلك التحالف بقيادة المرحلة، غير أن دينامية الشارع وإرادة الصندوق جاءت بفرز مغاير وأربكت كل الحسابات المستعجلة. فالخرائط التي تصمم على الورق تصطدم دوما بسلوك إنتسابي وميداني وواقعي متقلب، وبقرار ملكي حكيم في إختيار الشخصية المكلفة بتشكيل الحكومة داخل الحزب الفائز، وهو قرار يتأسس على معايير سياسية وإقتصادية وإستراتيجية شاملة لا تخضع لرغبات الضجيج الإعلامي أو منطق المزايدات السياسية.
غير أن الكلفة الأشد خطورة لهذا الخطاب الإستباقي لا تتوقف عند حدود التحليل السياسي، بل تمتد لتضرب عمق الممارسة الديمقراطية عبر تكريس الموت البطيء للعملية الانتخابية برمتها. إن إيهام المواطن بأن اللعبة محسومة والنتائج مجهزة، أمر يفرغ فعل التصويت من أية جدوى، ويغذي العزوف الإنتخابي وينشر حالة من اليأس السياسي تظهر فيها المؤسسات وكأنها أداة إجرائية لتزكية قرارات سابقة لأوانها. كما أن الإستمرار في تقديم المنطق التكنوقراطي كبديل حتمي ومطلق عن الفعل السياسي الأسبق، يؤدي إلى تجويف الأحزاب السياسية وتجريدها من أدوارها التأطيرية والدستورية الأصيلة.
إن أي قراءة إستشرافية للمرحلة المقبلة تتجه نحو مفترق طرق حاسم، فإما الإستمرار في نهج صناعة الرأي العام وجس النبض المسبق لتهيئة الشارع، وإما الشجاعة السياسية لإعادة الإعتبار لصندوق الإقتراع عبر تنافسية حقيقية تقوم على البرامج والبدائل الإقتصادية والتنموية الملموسة. وفي هذا الصدد تعود بنا الذاكرة إلى تلك النبرة الصادقة التي صدح بها جلالة الملك محمد السادس في خطاب يوليوز 2017، حين تساءل جلالته بإستغراب قائلا: “أنا لا أفهم كيف يستطيع أي مسؤول لا يقوم بواجبه أن يخرج من بيته ويستقل سيارته ويقف في الضوء الأحمر وينظر إلى الناس دون خجل ولا حياء وهو يعلم بأنهم يعرفون بأنه ليس له ضمير. ألا يخجل هؤلاء أنفسهم”. وإننا اليوم لنشاطر هذا الإستغراب الملكي والوجدان الوطني ذات التساؤل المؤرق: كيف يجرؤ هؤلاء على تصدر المشهد والترشح مجددا، ونحن على يقين تام بأن هناك من أصبحت ضمائرهم سلعة معروضة في سوق المزاد قبل الفوز وبعده؟

ختاما، إن الخطر الوجودي الذي يتهدد مستقبل المشهد السياسي لا يتجسد في ميزان القوى الحالي أو في الجهة التي ستترأس الحكومة المقبلة، بقدر ما يكمن في التآكل المستمر لما تبقى من ثقة الشارع والنخب في جدوى العملية الإنتخابية برمتها. إن صون الديمقراطية لم يعد مجرد شعار يرفع في المواسم السياسية، بل هو رهين بتمكين الإرادة الشعبية عبر ترك الصندوق يمارس سلطته دون وصاية، وإعادة الاعتبار لسمو الدستور كوثيقة عقدية جامعة. هنا ينعقد أمل النخب الوطنية التي طالها التهميش و الإقصاء على بزوغ مرحلة إنصاف سياسي وتاريخي تعيد للممارسة السياسية نبلها، وتفتح المجال أمام كفاءات الأمة لتسهم في بناء دولة الحق والقانون، مرحلة لا تقاس فيها قيمة المواطنة بمدى القرب من مراكز النفوذ، بل بمدى الإلتزام بالخيار الديمقراطي والعدالة الاجتماعية.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية

زر الذهاب إلى الأعلى