سلايدرمغرب

المؤسسة الملكية فوق التجاذبات… ووطنية المحامين أبعد من المزايدات

الدار/

ليس أخطر على النقاش العمومي من تحويل خلاف قانوني ومهني مشروع إلى محاكمة في الوطنية والولاء، وليس أشد إساءة إلى المؤسسة الملكية من إتخادها وسيلة لتصفية خلاف تشريعي كان ينبغي أن يدار بالحوار والحجة وإحترام قواعد دولة القانون والمؤسسات. فالقول إن استمرار المحامين في التوقف عن العمل بعد نشر القانون رقم 66.23 يشكل موقف ضد جلالة الملك و لمجرد أن القانون صدر بتنفيذه ظهير شريف، قول يجانب الحقيقة الدستورية ويخلط وبشكل متعمد بين المؤسسة الملكية بوصفها رمز وحدة الأمة وضامنة دوام الدولة وإستمرارها، وبين عمل تشريعي تتحمل مسؤوليته السياسية والدستورية الحكومة والبرلمان.

إن إصدار الأمر بتنفيذ القوانين ليس تزكية سياسية لكل تفصيل ورد فيها، ولا يحول النص التشريعي إلى تعبير شخصي عن إرادة الملك، وإنما هو إختصاص دستوري يمارسه جلالته وفق الفصل 50 من دستور2011، بعد إستكمال القانون لمساره داخل المؤسسات المختصة. ويؤكد التوقيع بالعطف لرئيس الحكومة على ظهير التنفيذ أن المسؤولية السياسية عن التشريع لا تختفي بمجرد نشره، ولا يجوز نقلها إلى المقام الملكي للتنصل منها أو لتحصين الحكومة والبرلمان من كل نقد وإحتجاج عن مسار التشريع وتغييب الرقابة الدستورية عليه. فالملك و بموجب الفصل 42 هو رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة وإستمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها، ومن هذا المنطلق فإن مكانته الدستورية السامية تقتضي إبقاءها فوق التجاذبات القطاعية والحسابات الحكومية، لا تحويلها إلى طرف في مواجهة مهنية عابرة.

أما وصف القانون بأنه “غير دستوري” فينبغي من الناحية القانونية الدقيقة، ألا يقدم باعتباره حقيقة قضائية نهائية ما دامت المحكمة الدستورية لم تفصل في موضوع مطابقته للدستور بحكم حاسم، بل تعذر عليها البت في الإحالة على حالتها لأسباب مسطرية. والأدق القول إنه قانون تحيط به إعتراضات دستورية جدية وتثار بشأن عدد من مقتضياته أسئلة مرتبطة بإستقلال المحاماة وحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة والتوازن بين التنظيم الذاتي للمهنة ورسالتها الحقوقية. فعدم صدور حكم بعدم الدستورية لا يمنح نص القانون رقم 66/23 شهادة مطلقة بالكمال الدستوري، ولا يسقط حق نقده والمطالبة بمراجعته بالوسائل المشروعة.
إن نفاذ القانون لا يلغي حق المواطنين والهيئات المهنية في الإعتراض عليه أو المطالبة بتعديله. فالدولة الدستورية لا تجعل من نشر القانون نهاية للنقاش في عدم الدستورية من قيامها، وإلا لما أقر الدستور إمكان تعديل القوانين ولا الرقابة الدستورية ولا الحق في التعبير والتنظيم والإحتجاج.
غير أننا وحسب وجهة نظرنا القانونية المتواضعة، نرى أن مشروعية أي توقف مهني تظل مرتبطة بإحترام القانون والتناسب وصون الحقوق المستعجلة للمتقاضين، وعدم ترك الفئات الهشة والمعتقلين وآجال الطعون دون حماية. ومن هنا فإن النقد المسؤول يقتضي كذلك من المؤسسات المهنية وهنا أخص بالذكر جمعية هيئات المحامين بتدبير أشكال الإحتجاج بحكمة، وتحديد أهدافها ومدتها وضماناتها حتى لا يتحمل المواطن وحده كلفة نزاع لم يكن طرفا في صنعه.

أما الذين يحاولون وضع المحامين في مواجهة مع جلالة الملك فعليهم أن يعودوا إلى تاريخ هذه المهنة قبل توزيع شهادات الوطنية. لقد كان المحامون في مقدمة المدافعين عن إستقلال المغرب وعن العرش العلوي المجيد، وعن وحدة الوطن وسيادته، وإحتضنت صفوفهم نساء ورجال قاوموا الإستعمار ودافعوا عن المعتقلين والمناضلين وحملوا قضايا المغرب داخل المحاكم والمنتديات الدولية، وظلوا في قلب معارك استكمال الوحدة الترابية والدفاع عن مغربية الصحراء كمشاركين في الصفوف الأولى للمسيرة الخضراء المظفرة وكمترافعين دائمين عن عدالة القضية في جميع المنتديات الإقليمية والدولية. ولم تكن أبدا المحاماة في يوم من الأيام خصم للملكية، بل كانت في محطات تاريخية دقيقة صوت عال للشرعية والحرية والكرامة، ووفية لثوابت الأمة ولشعارها الخالد: الله، الوطن، الملك.

إن الدفاع عن استقلال المحاماة ليس تمرد على الدولة، بل دفاع عن إحدى ضماناتها لأن المحامي المستقل لا يحمي مصلحته وحدها، وإنما يحمي حق المواطن في محاكمة عادلة ويقيم التوازن الضروري أمام سلطة الاتهام و تعسف الإدارة. بل إن القانون المنشور نفسه يقرر في مادته الأولى أن المحاماة مهنة حرة ومستقلة، وأنها تساهم في تحقيق العدالة وضمان المحاكمة العادلة والدفاع عن حقوق الإنسان، وأن المحامين جزء من أسرة القضاء.
فكيف يصبح إعتراض هذه المهنة على ما تراه مساسا باستقلالها موقفا ضد الملك، بينما غايتها المعلنةهي حماية العدالة التي تقوم عليها هيبة الدولة؟
ومع ذلك، فإن الوفاء لتاريخ المحاماة يفرض عليها ألا تكتفي برفض القانون، بل أن تقدم بديل واضح ومتكامل وأن تنتقل من رد الفعل إلى المبادرة، ومن التوقف المفتوح إلى إستراتيجية مؤسساتية تجمع بين الحوار المسؤول، والترافع الدستوري والحقوقي وإقتراح تعديلات دقيقة، مع المحافظة على المصالح الحيوية للمتقاضين. فالمخرج الحكيم يكمن في حوار مؤسساتي صريح يعيد النظر في المقتضيات الأكثر إثارة للخلاف، ويضع جدول زمني للتعديل، ويضمن عودة المحاكم إلى عملها الطبيعي دون أن تفرض على المحامين عودة صامتة تفهم باعتبارها تنازل عن مطالبهم. فالعودة المسؤولة إلى العمل لا تعني الإستسلام، كما أن الاستمرار في الاحتجاج لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في ذاته.

ختاما، إن المؤسسة الملكية أسمى من أن تستعمل كوسيلة لإسكات مطالب المحامين، وأرفع من أن تزج في خلاف تتحمل الحكومة والبرلمان مسؤوليته السياسية والتشريعية. ومن يدعي الدفاع عن الملك بإقحام إسمه في هذه الخصومة يسيء، من حيث يدري أو لا يدري إلى المكانة التحكيمية الجامعة للمؤسسة الملكية، ويحاول الإحتماء بها بدل مواجهة الإعتراضات بالحجة والقانون. أما المحامون فلا يحتاجون إلى شهادة في وطنيتهم من أحد فقد كتبوا إنتماءهم للوطن بمواقفهم وتضحياتهم بمداد من ذهب.

د/ الحسين بكار السباعي
محام بهيئة أكادير والعيون
مقبول لدى محكمة النقض

زر الذهاب إلى الأعلى