سلايدرمغرب

20 فبراير : حين اختار المغرب طريق الإصلاح بدل العاصفة

 

بقلم ياسين المصلوحي

تُخلَّد ذكرى 20 فبراير في المغرب باعتبارها محطة مفصلية في المسار السياسي المعاصر، ارتبطت بسياق إقليمي ودولي اتسم بصعود موجة الاحتجاجات في عدد من البلدان العربية سنة 2011، فيما عُرف إعلامياً بـ”الربيع العربي”. غير أن التجربة المغربية اتسمت بخصوصية واضحة، سواء من حيث طبيعة المطالب أو من حيث طريقة تدبير المرحلة، وهو ما أفرز مساراً إصلاحياً متدرجاً حافظ على استقرار الدولة وفتح في الآن نفسه أفقاً لتطوير بنيتها الدستورية والمؤسساتية.

انطلقت حركة 20 فبراير ، عبر دعوات شبابية للتظاهر رفعت شعارات تتعلق بمحاربة الفساد، وتعزيز الديمقراطية، وتوسيع مجال الحريات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإرساء ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم. وقد تميزت الحركة بتعدد مكوناتها واختلاف مرجعياتها الفكرية والسياسية، حيث ضمت فاعلين شباباً ومستقلين، إلى جانب بعض الهيئات الحزبية والحقوقية.

تفاعلت الدولة بسرعة مع هذه الدينامية المجتمعية؛ ففي 9 مارس 2011 أعلن الملك محمد السادس عن مراجعة دستورية شاملة، وهو ما شكل منعطفاً حاسماً في مسار الأحداث، إذ تم اعتماد دستور جديد عبر استفتاء شعبي في يوليوز 2011.

أفرزت الاحتجاجات مجموعة من النتائج السياسية المهمة، في مقدمتها دستور 2011 الذي عزز مكانة رئيس الحكومة المنبثق من الحزب المتصدر للانتخابات، ووسع صلاحيات السلطة التنفيذية والتشريعية، وكرس استقلال السلطة القضائية، ونص على مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما عزز منظومة الحقوق والحريات، وأقر الطابع الرسمي للأمازيغية إلى جانب العربية، وأرسى هيئات دستورية جديدة للحكامة وحقوق الإنسان.

كما نتج عنها إجراء انتخابات سابقة لأوانها، أفرزت تداولاً سياسياً جديداً في قيادة الحكومة، ما عكس دينامية سياسية متجددة داخل المؤسسات.

تميز المسار المغربي عن تجارب إقليمية أخرى باختياره منطق الإصلاح في إطار الاستمرارية، بدل منطق القطيعة أو الانهيار المؤسساتي. ويعود ذلك إلى خصوصية النظام السياسي المغربي القائم على الملكية الدستورية، التي تستند إلى جانب الشرعية القانونية على شرعية فريدة تتجلى في البعد الديني الذي يعتبر الملك أميرا للمؤمنين وما لذلك من سلطة دينية وشرعية تاريخية ممتدة في الزمن حيث يشكل الملك فاعلاً مركزياً وضامناً لوحدة الدولة واستقرارها، بما يتيح إمكانية إطلاق إصلاحات من داخل النسق المؤسساتي ذاته.

لقد كان التوجه الإصلاحي في المغرب قائماً على التفاعل مع المطالب المجتمعية ضمن مقاربة دستورية وقانونية، جنّبت البلاد سيناريوهات الفوضى أو الصدام، ورسخت فكرة التطوير التدريجي للمؤسسات. فالإصلاح لم يُطرح كاستجابة ظرفية، بل كخيار استراتيجي يستند إلى تراكمات سابقة من الانفتاح السياسي وحقوق الإنسان.

تُبرز تجربة 20 فبراير أن الإصلاح في المغرب ليس حدثاً معزولاً أو لحظة عابرة، بل هو سيرورة جماعية طويلة النفس، يشترك فيها مختلف الفاعلين: المؤسسة الملكية، الأحزاب السياسية، المجتمع المدني، والنخب الفكرية والاقتصادية، إلى جانب المواطن باعتباره محور العملية السياسية.

فالتغيير الديمقراطي لا يتحقق بقرارات فوقية فقط، ولا باحتجاجات شعبية وحدها، بل عبر تفاعل مستمر بين الدولة والمجتمع، يقوم على التوازن بين الاستقرار والتجديد، وبين المحافظة على الثوابت والانفتاح على التحولات. ومن هذا المنظور، تظل ذكرى 20 فبراير مناسبة للتأمل في مسار الإصلاحات التي تحققت، واستحضار التحديات القائمة، وتجديد الالتزام بمواصلة البناء الديمقراطي في إطار توافقي يراعي خصوصية التجربة المغربية.

وهكذا، فإن الاحتجاجات لم تكن مجرد محطة ، بل لحظة سياسية أعادت طرح سؤال الإصلاح في المغرب، وكرست خيار التطوير التدريجي ضمن رؤية تشاركية تعتبر أن الديمقراطية مشروع مستمر، يتعزز بالتراكم والحوار والمسؤولية المشتركة.

زر الذهاب إلى الأعلى