
الدار/
إستيقظت مدينة السمارة يومه الثلاثاء 5 ماي 2026 على وقع دوي مقذوفات سقطت في محيط السجن المحلي، لتفرض حالة إستنفار أمني قصوى لم تدم سوى ساعات، قبل أن تعود المدينة إلى إيقاعها الطبيعي. الحصيلة وفق المعطيات الأولية لا خسائر بشرية ولا أضرار مادية تذكر. لكن وراء هذا اللاحدث العسكري، تكمن رسائل سياسية ثقيلة، وسياق إقليمي مضطرب يفرض قراءة متأنية.
1- تفاصيل الميدان: السيطرة في زمن قياسي
فور تسجيل سقوط المقذوفات، باشرت وحدات من القوات المسلحة الملكية، مدعومة بعناصر الدرك الملكي والأمن الوطني، تطويق المنطقة المستهدفة. خبراء المتفجرات مشطوا المحيط بالكامل، فيما حلقت طائرات استطلاع لتمشيط الشريط الحدودي. مصادر أمنية أكدت أن المنظومة الدفاعية رصدت مصدر النيران، وأن التحقيقات جارية لتحديد نوعية المقذوفات بدقة.
واللافت كان سرعة إحتواء الحدث. في أقل من ثلاث ساعات رفعت الإجراءات الاستثنائية، وإنتظم التلاميذ في مدارسهم، وعادت الحركة التجارية إلى طبيعتها. مشهد يعكس عقيدة أمنية باتت راسخة في الأقاليم الجنوبية: الاستباق والحزم والعودة السريعة للحياة الطبيعية.
2- ننتظر الرد الحاسم: حين تتكلم الدعاية قبل المدفع
بالتوازي مع التحرك الميداني المغربي، سارعت منصات إعلامية تابعة لجبهة بوليساريو إلى تبني الهجوم ضمنا، معلنة أن الجبهة تترقب الرد الحاسم من المغرب. مفارقة تكشف طبيعة الإستراتيجية المتبعة: إفتعال حدث محدود التأثير عسكريا، ثم محاولة تضخيمه إعلاميا، وإنتظار رد فعل مغربي لتسويقه كتصعيد.
هذا النمط ليس بالجديد، فمنذ إعلان الجبهة خرق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2020، دأبت على تنفيذ عمليات إزعاج بمقذوفات بدائية تستهدف مناطق خلف الجدار الأمني بهدف وحيد: كسر صورة الإستقرار التي ترسخت منذ تأمين معبر الكركرات، وإثبات أنها لا تزال موجودة.
3- لماذا السمارة؟ ولماذا الآن؟
إختيار السمارة ليس عبثيا، إنها ثاني أكبر مدن الصحراء المغربية، مركز حضري حيوي وإستهداف محيط سجن مدني يحمل دلالة مزدوجة: أولا، محاولة إلصاق صفة إستهداف المدنيين بالمشهد، وثانيا ضرب الرمزية فالسجن مؤسسة سيادية، والمساس بمحيطه رسالة سياسية أكثر منها عسكرية.
أما التوقيت، فيتزامن مع ثلاث محطات مفصلية: الأولى، الزخم الدبلوماسي الذي تحققه مبادرة الحكم الذاتي داخل أروقة الأمم المتحدة، وآخره تقرير الأمين العام. الثانية، الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، من ميناء الداخلة الأطلسي إلى مشاريع الطاقة المتجددة. الثالثة، العزلة المتزايدة لجبهة بوليساريو، بعد سحب عدة دول إعترافها بالكيان الوهمي.
4- شبح الساحل يخيم على الصحراء
لا يمكن فصل حادث السمارة عن الانفجار الأمني الذي يعرفه الساحل. مالي تحديدا شهدت في الأسابيع الأخيرة هجمات غير مسبوقة لتنظيم داعش في الصحراء الكبرى، وصلت إلى تخوم العاصمة باماكو. انسحاب بعثة مينوسما الأممية خلق فراغا أمنيا هائلا، وحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
هنا تكمن الخطورة: هناك تخوف حقيقي من محاولات الربط العملياتي بين الجماعات الإرهابية في الساحل وجبهة بوليساريو. الجزائر الحاضن والممول الرئيسي للجبهة، تجد في هذا الربط ورقة للضغط وتصدير أزماتها الداخلية. سقوط مقذوفات على مدينة مغربية هو بالون إختبار لمدى إمكانية نقل فوضى الساحل إلى شماله.
5- العقيدة المغربية: الردع الصامت والقرار المدروس
ترفض الرباط الإنجرار إلى حرب دعائية أو إستنزاف ميداني. عقيدتها الأمنية منذ 2020 تقوم على ثلاثة مرتكزات: أولا الحق المشروع في الدفاع عن النفس وتأمين التراب الوطني. ثانيا دقة الرد وتناسبه، بحيث يستهدف مصادر النيران دون توسيع دائرة الاشتباك. ثالثا تحويل كل إستفزاز إلى مكسب دبلوماسي عبر فضح الطرف المعتدي أمام المنتظم الدولي.
6- الرد الحاسم الذي تترقبه البوليساريو قد لا يأتي على شكل قصف مدفعي، بل على شكل قرار أممي جديد، أو إفتتاح قنصلية جديدة في العيون، أو توقيع شراكة إقتصادية كبرى في الداخلة. فالحرب اليوم حرب سرديات ومشاريع، لا حرب خنادق فقط.
7- بيان الأمم المتحدة والذي ذاته أكدته الولايات المتحدة الأمريكية من خلال موقع وزارة خارجيتها:
يمثل الموقف الأمم المتحدة عبر بيانها الذي أكدته الخارجية الأمريكية حيال إستهداف مدينة السمارة تحول جيوستراتيجي جذري، حيث إنتقل الخطاب الدولي من لغة التهدئة إلى منطق المحاسبة والوضوح السيادي. لقد وضعت هذه الإدانة الصريحة جبهة بوليساريو في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، مجردة إياها من أي غطاء سياسي ومعتبرة تحركاتها تهديد للأمن الإقليمي. وبتركيز البيان على مصطلح “الآن” كلحظة للحسم، فإنه يقطع الطريق أمام سياسة الوضع القائم، ويحصر الحل في المبادرة المغربية للحكم الذاتي الاي بدأ تفعيلها في إطار القرار 2797 وما تلاه من مفاوضات الغرف المغلقة بمدريد وواشنطن.
8- الاتحاد الأوروبي وعبر سفيره بالرباط السيد ديميتار تزانشيف يعرب عن إستنكاره الشديد للهجوم الأخير الذي إستهدف مدينة السمارة، والذي وصفع بـالتطور المقلق الذي يستوجب ضبط النفس لتلافي إنزلاق المنطقة نحو تصعيد لا تحمد عقباه.
ولم تقف موجة التنديد عند هذا الحد، إذ سارعت فرنسا وقوى دولية وازنة إلى إدانة هذا العمل العدائي، معتبرة إياه انتهاك صارخ للسيادة المغربية على أقاليمه الصحراوية، ومحاولة يائسة لتقويض المساعي الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية لتنزيل مبادرة الحكم الذاتي.
خلاصة الكلام : الأمن رهان زالتنمية:
ما حدث في السمارة اختبار جديد، لكنه إختبار تجاوزه المغرب عشرات المرات. المعادلة التي تفرض نفسها هي: كلما أطلقوا مقذوفا، بنى المغرب مدرسة. كلما روجوا للفوضى، دشن المغرب طريقا. فالرسالة وصلت من السمارة و يوم الحدث الدولة حاضرة والمدينة آمنة والمشروع التنموي مستمر. أما من ينتظر الرد الحاسم، فعليه أن يدرك أن أبلغ رد هو أن يعود أطفال السمارة إلى مقاعدهم الدراسية في اليوم نفسه الذي سقطت فيه المقذوفات. هذا هو الفرق بين من يصنع الحياة، ومن يتاجر بالموت.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب العلاقات الدولية وإفريقيا
مركز الدراسات الدولية للأمن والهجرة والتنمية






