المغرب.. الدولة التي تمتلك مفتاح الأمن الغذائي العالمي

الدار/ مريم حفياني
في زمن تتسابق فيه الدول على النفط والغاز والمعادن النادرة، يبرز المغرب بهدوء كواحد من أكثر الفاعلين تأثيراً في مستقبل الأمن الغذائي العالمي، ليس بسبب المساحات الزراعية أو الثروة المائية، بل لأنه يمتلك سلاحاً استراتيجياً لا يمكن تعويضه بسهولة: الفوسفاط.
العالم اليوم يطعم أكثر من ثمانية مليارات إنسان، لكن هذا النظام الغذائي الضخم لا يقوم فقط على جهود الفلاحين أو التكنولوجيا الزراعية، بل يعتمد بشكل شبه كامل على عنصر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه في صناعة الأسمدة: الفوسفور. هذا العنصر ليس مادة يمكن تصنيعها داخل المختبرات، بل ثروة طبيعية تُستخرج من باطن الأرض، ما يجعل الدول المالكة لاحتياطاته في موقع قوة استثنائي.
هنا يظهر المغرب باعتباره اللاعب الأكثر أهمية عالمياً، إذ تشير التقديرات الدولية إلى أن المملكة تتوفر على أكثر من 70 في المائة من احتياطات صخور الفوسفاط في العالم، وهو رقم يمنح الرباط ثقلاً استراتيجياً يتجاوز بكثير حدودها الجغرافية أو الاقتصادية التقليدية.
هذه المعطيات تعني عملياً أن الزراعة العالمية الحديثة مرتبطة بشكل مباشر باستقرار الإمدادات المغربية. فبدون الأسمدة الفوسفاتية ستتراجع الإنتاجية الزراعية بشكل حاد، وستصبح القدرة على إنتاج الغذاء بكميات ضخمة شبه مستحيلة، خاصة في الدول التي تعتمد على الزراعة المكثفة لإطعام شعوبها.
ورغم وجود دول أخرى منتجة للفوسفاط مثل الصين وروسيا ومصر وتونس والسعودية..، إلا أن احتياطاتها تبقى محدودة مقارنة بالمغرب أو موجهة أساساً للاستهلاك الداخلي. الصين، على سبيل المثال، تُعد من كبار المنتجين لكنها تحتفظ بجزء كبير من إنتاجها لحماية أمنها الغذائي، بينما استنزفت الولايات المتحدة جزءاً مهماً من احتياطاتها، خصوصاً في ولاية فلوريدا، بعد عقود من الاستغلال المكثف.
هذا الواقع جعل المغرب يتحول خلال السنوات الأخيرة إلى محور أساسي في معادلة الأمن الغذائي العالمي، حيث أصبحت قراراته المتعلقة بالإنتاج والتصدير ذات تأثير مباشر على أسعار الغذاء والأسمدة في الأسواق الدولية. أي اضطراب كبير في سلاسل الإمداد أو توقف محتمل للصادرات المغربية يمكن أن يدفع أسعار المواد الغذائية إلى مستويات قياسية ويهدد استقرار العديد من الدول المستوردة.
لكن الرباط، بدل توظيف هذه القوة بمنطق الابتزاز أو الهيمنة، اختارت تقديم نفسها كشريك موثوق للاستقرار العالمي. فمن خلال الاستثمارات الضخمة التي يقودها المكتب الشريف للفوسفاط OCP Group، يعمل المغرب على توسيع الإنتاج وتطوير أسمدة موجهة خصيصاً للدول الإفريقية والنامية، في إطار رؤية تعتبر الأمن الغذائي جزءاً من الأمن الاستراتيجي العالمي.
ولذلك لم يعد الفوسفاط مجرد مادة خام بالنسبة للمغرب، بل تحول إلى ورقة نفوذ جيوسياسي تمنح المملكة موقعاً متقدماً في التوازنات الدولية. فكما ارتبط النفوذ العالمي لعقود بالنفط والغاز، يبدو أن العقود المقبلة قد تجعل من الفوسفاط المغربي أحد أهم مفاتيح القوة في العالم، خاصة مع تزايد المخاوف المرتبطة بالجوع والتغير المناخي وارتفاع الطلب العالمي على الغذاء.






