أخبار الدارسلايدر

مسؤول أذربيجاني يقدم وصفة للتعاون بين المغرب و أذرييجان في مجال الحوار بين الأديان والثقافات و بناء السلام

حاوره: المحجوب داسع

قال المدير التنفيذي لمركز باكو الدولي للتعددية الثقافية، روان حسنوف، ان المغرب وأذربيجان يمتلكان امكانيات مهمة للتعاون في مجال الحوار بين الأديان و الثقافات، مشيرا الى أن البلدان ينظران إلى التنوع ليس فقط كـ”مسألة ثقافية”، بل أيضاً كـ”مسألة تتعلق بالاستقرار الاجتماعي والتعليم والسلام”.
وأوضح المسؤول الأذربيجاني، في حوار حصري مع موقع “الدار”، أن الرباط وباكو لهما كل الامكانيات والفرص الممكنة لتعميق تعاونهما الثنائي بما يخدم الحوار بين الأديان والثقافات؛ خاصة في مجالات التربية والتعليم، و الشباب، وكذا في مجالات التعاون بين المؤسسات الدينية و الجامعية و الاعلامية، و في مجال المجتمع المدني.
و في خضم تزايد الانقسامات والتطاحنات باسم الأعراق والأديان، وتفشي حدة الاستقطاب، بما يهدد قيم التعايش والاحترام والتماسك، أبرز الخبير الدولي في مجال الحوار بين الأديان والثقافات، أن التجربة المغربية والأذربيجانية يمكن أن تشكل نموذجًا دوليًا جديدًا ملهما لإدارة التنوع وبناء سلامٍ دائم، ليس كوصفة جاهزة تُقلّد آليًا، بل يمكن استلهام هاتين التجربتين، ب”الحكمة والاحترام والمؤسسات القوية”.
و اعتبر المدير التنفيذي لمركز باكو الدولي للتعددية الثقافية، أن دبلوماسية التراث الثقافي، يمكن أن تشكل فرصة مهمة للمغرب و أذربيجان، لتعزيز تعاونهما خدمة للحوار بين الأديان والثقافات، و التنوع الديني والثقافي، الى جانب ضرورة اغتنام الفرص التي يتيحها مجال البحوث والنشر، و كذا اشراك المرأة والشباب من أجل صون الذاكرة العائلية، وتربية الأطفال على قيم الاحترام والاختلاف والتعددية والتسامح.

نص الحوار:
-المغرب وأذربيجان دولتان تتمتعان بتقاليد عريقة في الاعتدال الديني والتنوع الثقافي. ما هي الفرص التي ترونها للتعاون بين البلدين في تعزيز الحوار بين الثقافات؟
يتمتع المغرب وأذربيجان بأساس طبيعي للتعاون في مجال الحوار بين الثقافات، إذ ينظر كلا البلدين إلى التنوع ليس فقط كقضية ثقافية، بل أيضاً كمسألة تتعلق بالاستقرار الاجتماعي والتعليم والسلام.
أعتقد أن الفرصة الحقيقية الأولى تكمن في التعاون في مجال التعليم. تمتلك أذربيجان خبرة في تدريس التعددية الثقافية الأذربيجانية في الجامعات، بينما يمتلك المغرب مؤسسات وتقاليد راسخة في مجال الاعتدال الديني. يمكننا تطوير برامج أكاديمية مشتركة، ومحاضرات يلقيها ضيوف، وبرامج تبادل يتعرف فيها الطلاب الأذربيجانيون على نموذج المغرب في الاعتدال الديني، ويتعرف الطلاب المغاربة على تجربة أذربيجان في التعايش متعدد الثقافات.
الفرصة الثانية هي التعاون الشبابي، و أعتقد أن هذا أحد أكثر المجالات من الناحية العملية. يمكن لمركز باكو الدولي للتعددية الثقافية تنظيم مدرسة أو منتدى شبابي مشترك بين أذربيجان والمغرب، يُعقد بالتناوب بين باكو والرباط، أو في مدن ذات رمزية تاريخية مثل شوشة وقوبا وفاس والصويرة. لا ينبغي للشباب الاكتفاء بالاستماع إلى الخطابات، بل عليهم زيارة المواقع الدينية والثقافية التراثية، والالتقاء بممثلي المجتمعات المحلية، والعمل معًا على مشاريع صغيرة لبناء السلام.
ثمة اتجاه ثالث يتمثل في التعاون بين علماء الدين والمعلمين وقادة المجتمع. فالمغرب لديه تجربة مرموقة في تعزيز التعليم الديني المعتدل، بينما يتبنى أذربيجان نموذجًا علمانيًا تتعايش فيه مختلف الطوائف الدينية في فضاء مدني واحد. وقد يكون الجمع بين هاتين التجربتين مفيدًا للغاية، لا سيما في وقت يُساء فيه استخدام الدين أحيانًا لأغراض التفرقة السياسية أو الخطابات المتطرفة.
ثمة فرصة حقيقية أخرى تتمثل في دبلوماسية التراث الثقافي. فكلا البلدين يمتلكان تراثًا إسلاميًا، فضلًا عن طبقات تاريخية يهودية ومسيحية هامة. ويمكن لأذربيجان أن تشارك تجارب أماكن مثل مجتمع يهود الجبل في قوبا وتراث ألبان-عودي المسيحي، بينما يمتلك المغرب أمثلة قوية على التعايش اليهودي الإسلامي، خاصة في مدن مثل الصويرة. ويمكن للمعارض المشتركة، والمشاريع الوثائقية، والأرشيفات الفوتوغرافية، ومؤتمرات التراث أن تُظهر أن المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة لديها تقاليدها العريقة في حماية التنوع.
كما يمكننا التعاون في مجال البحوث والنشر. سيكون إعداد تقرير مشترك بين أذربيجان والمغرب حول التعددية الثقافية والاعتدال الديني والتماسك الاجتماعي مفيدًا ليس فقط لبلدينا، بل وللعالم الإسلامي بأسره. ويمكن أن يتضمن توصيات بشأن التعليم، ومشاركة الشباب، واللغة الإعلامية المسؤولة، ومنع خطاب الكراهية.
ومن المجالات العملية الأخرى التعاون عبر المنصات الدولية. فكل من أذربيجان والمغرب ناشطتان في منظمات مثل منظمة التعاون الإسلامي و منظمة العالم الاسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو). ويمكننا معًا تعزيز مناقشات أكثر توازنًا وبناءً حول الحوار بين الثقافات، والإسلاموفوبيا، وحماية التراث الديني، ودور التعليم في منع التطرف.
كما أرى فرصةً واعدةً في قيادة المرأة والشباب. فغالبًا ما تضطلع المرأة بدور بالغ الأهمية في صون الذاكرة العائلية، وتربية الأطفال، وغرس قيم الاحترام. ويمكن للبرامج المشتركة التي تضم معلمات وباحثات شابات وصحفيات وممثلات عن المجتمع المدني أن تُقرّب الحوار بين الثقافات من واقع المجتمع، لا من الاجتماعات الرسمية فحسب.

كيف يمكن للمؤسسات المغربية والأذربيجانية التعاون لتطوير مناهج مبتكرة لإدارة التنوع الثقافي والديني؟
يمكن للمؤسسات المغربية والأذربيجانية العمل معًا بفعالية أكبر إذا انتقل التعاون من الحوار العام إلى الابتكار العملي. فاليوم، لا يمكن إدارة التنوع الثقافي والديني من خلال المؤتمرات فقط، بل نحتاج إلى أدوات جديدة، وأساليب تعليمية جديدة، وسبل جديدة للتواصل مع الشباب.
يُعدّ إنشاء “مختبر التعددية الثقافية والاعتدال الديني” الأذربيجاني المغربي المشترك أحد التوجهات الممكنة. ولن يكون هذا المختبر مجرد منصة رمزية، بل فريق عمل يضم باحثين، و فاعلين في مجال التربية والتعليم، وعلماء دين، وممثلين عن الشباب، وخبراء إعلاميين. وتتمثل مهمته في دراسة التحديات الحقيقية، ومقارنة تجارب البلدين، ووضع توصيات عملية للمدارس والجامعات والمؤسسات العامة ومنظمات المجتمع المدني.
ومن المناهج المبتكرة الأخرى تطوير برامج تدريبية مشتركة للمربين والصحفيين وموظفي القطاع العام. فكثيرًا ما يتفاقم سوء الفهم الثقافي لأن العاملين في المهن التي تتطلب التعامل المباشر مع الجمهور لا يتلقون التدريب الكافي للتحدث عن التنوع بمسؤولية. ويمكن لأذربيجان والمغرب إعداد برامج شهادات قصيرة في التواصل بين الثقافات، ومنع خطاب الكراهية، والتثقيف الديني، واللغة العامة الشاملة. يُعدّ التعاون الرقمي بالغ الأهمية. بإمكان مؤسساتنا إنشاء منصة إلكترونية تُمكّن الشباب من أذربيجان والمغرب من الوصول إلى محاضرات ومقابلات ومعارض افتراضية ومواد وثائقية ودورات تفاعلية حول التنوع الثقافي. من شأن ذلك أن يجعل الحوار بين الثقافات أكثر حداثةً وسهولةً، لا سيما بالنسبة للجيل الشاب.
كما يُمكننا التعاون في أبحاث الإنذار المبكر. فالصراعات الهوياتية لا تظهر فجأةً، بل تسبقها الصور النمطية السلبية وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة والعزلة الاجتماعية. بإمكان فرق البحث المشتركة رصد هذه التوجهات، ودراسة كيفية انتشارها عبر الإنترنت، واقتراح استراتيجيات تعليمية وتواصلية قبل تفاقم التوترات.
ومن الأفكار العملية الأخرى تطوير مسار تراثي مشترك أو متحف رقمي يُقارن نماذج التعايش في كلا البلدين. تمتلك أذربيجان أمثلةً بارزةً كالمجتمع اليهودي الجبلي في قوبا، والتراث المسيحي الألباني-العودي، والكنائس والمعابد والمساجد العاملة ضمن المجتمع نفسه. أما المغرب، فيمتلك نماذج قوية للتعايش بين المسلمين واليهود، والتراث الأندلسي، والاعتدال الديني. إن عرض هذه التجارب معًا سيُظهر أن التنوع ليس غريبًا على المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة. إنها جزء من ذاكرتهم التاريخية.

– في عالمٍ تسوده الحروب والتوترات الجيوسياسية والانقسامات الاجتماعية المتزايدة، هل تعتقد أن التجربة المغربية والأذربيجانية يمكن أن تشكل نموذجًا دوليًا جديدًا ملهما لإدارة التنوع وبناء سلامٍ دائم؟ إذا كان الأمر كذلك، فما هي العناصر الأساسية لهذا النموذج؟
نعم، أعتقد أن التجربة المغربية والأذربيجانية يمكن أن تُسهم إسهامًا هامًا في العالم، ولكن ليس كصيغة جاهزة تُقلّد آليًا. لكل مجتمع تاريخه الخاص. ومع ذلك، يُظهر كلا البلدين أن التنوع يُمكن إدارته لا بالخوف، بل بالحكمة والاحترام والمؤسسات القوية.
العنصر الأساسي في هذا النموذج هو الكرامة. يجب ألا تشعر المجتمعات بأن هويتها مُتسامح معها فحسب، بل يجب أن تشعر بأن تاريخها ومعتقداتها وثقافتها تُحترم كجزء من النسيج الوطني الأوسع.
العنصر الثاني هو الاعتدال. في عالمٍ غالبًا ما تُسيّس فيه الدين والهوية، يُمكن للمغرب وأذربيجان أن يُظهرا أن القيم الدينية والانفتاح على الآخرين يُمكن أن يتعايشا. ينبغي أن يكون الإيمان جسرًا للأخلاق والمسؤولية، لا مصدرًا للفرقة.
العنصر الثالث هو التعليم. لا يمكن بناء السلام بالدبلوماسيين وحدهم، بل يجب غرسه في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وفي ثقافة الأسرة. ينبغي أن يتعلم الشباب أن الاختلاف ليس خطرًا، وأن الهوية لا تستلزم العداء للآخرين.
العنصر الرابع هو المواطنة المشتركة. يصبح التنوع مستقرًا عندما تشعر جميع المجتمعات بأنها جزء من فضاء مدني واحد مشترك، وتتحمل مسؤولية متساوية عن مستقبل الوطن.
العنصر الخامس هو الحوار العملي. المؤتمرات مهمة، لكن الحوار يجب أن يُثمر مشاريع حقيقية: تبادل الشباب، والتعاون الأكاديمي، وبرامج التراث الثقافي، والبحوث، والتثقيف الإعلامي، ومبادرات بناء السلام المشتركة.
في هذا السياق، يمكن للمغرب وأذربيجان المساهمة في صياغة نموذج قائم على فكرة بسيطة لكنها مؤثرة: السلام الدائم ليس مجرد غياب الحرب، بل هو وجود الثقة والكرامة والعدالة والاحترام المتبادل في الحياة اليومية.

-غالبًا ما تُقدم أذربيجان كنموذج ناجح للتعددية الثقافية والتعايش الديني. ما هي الركائز الأساسية التي مكّنت مختلف الطوائف الدينية والثقافية من العيش معًا بسلام لعقود؟
إن التعددية الثقافية في أذربيجان ليست مفهومًا مصطنعًا للاستعراض، بل هي حقيقة تاريخية أصبحت تدريجيًا سياسة دولة وأسلوب حياة. والسبب الرئيسي وراء تعايش مختلف الطوائف الدينية والثقافية بسلام في أذربيجان هو أن التنوع لم يُنظر إليه قط على أنه تهديد للهوية الوطنية، بل على العكس، فُهم على أنه أحد مصادر قوة أذربيجان.
الركيزة الأولى هي موقعنا التاريخي والجغرافي. لطالما كانت أذربيجان نقطة التقاء بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، والإسلام والمسيحية، والتأثيرات الثقافية التركية والفارسية والقوقازية واليهودية والسلافية والأوروبية. على مرّ القرون، عاش أناس من خلفيات عرقية ودينية مختلفة جنبًا إلى جنب، وتبادلوا التجارة، وبنوا أحياءً مشتركة، وتقاسموا الحياة العامة، مما خلق ذاكرة اجتماعية للتعايش.
الركيزة الثانية هي علمانية الدولة. أذربيجان دولة ذات أغلبية مسلمة، لكن الدولة لا تنتمي إلى دين واحد. ينص الدستور بوضوح على فصل الدين عن الدولة، وعلى أن جميع الأديان متساوية أمام القانون. وهذا أمر بالغ الأهمية لأنه يخلق بيئة قانونية لا تُعدّ فيها المساجد والكنائس والمعابد اليهودية رموزًا للانقسام، بل جزءًا لا يتجزأ من النسيج الوطني.
الركيزة الثالثة هي احترام الهوية الثقافية واللغوية. في أذربيجان، لا تقتصر التعددية الثقافية على الدين فحسب، بل تشمل أيضًا اللغة والتقاليد والموسيقى والمطبخ والذاكرة والتراث. تستطيع مختلف المجتمعات الحفاظ على هويتها الثقافية مع البقاء جزءًا من الهوية المدنية الأذربيجانية الأوسع. هذا التوازن بالغ الأهمية: فالتكامل لا يعني الذوبان.
الركيزة الرابعة هي الدعم المؤسسي. تأسس مركز باكو الدولي للتعددية الثقافية لدراسة وحفظ وتعزيز تقاليد التسامح والتنوع الثقافي والحوار بين الأديان في أذربيجان. لا يقتصر عملنا على المؤتمرات، بل نركز على التعليم والبحث وإشراك الشباب والشراكات الدولية وتعزيز قيم التعددية الثقافية كأدوات عملية لبناء السلام.
ومن الركائز المهمة الأخرى ثقافة التعايش اليومي. ففي أذربيجان، لا يقتصر التسامح على القوانين فحسب، بل يتجلى في الحياة اليومية. ففي باكو وغيرها من المناطق، تعمل المساجد والكنائس والمعابد اليهودية ضمن المجتمع نفسه. وتشارك المجتمعات المسلمة واليهودية والمسيحية في الحياة العامة، وغالبًا ما تتشارك لحظاتها المهمة. هذا البُعد الإنساني هو الأساس الحقيقي للتعايش السلمي.
وأخيرًا، يقوم نموذج أذربيجان على فكرة أن التعددية الثقافية يجب أن تكون فاعلة لا سلبية. فليس كافيًا القول بأن المجتمعات المختلفة يمكنها العيش معًا، بل يجب على الدول والمجتمعات تهيئة الظروف اللازمة للحوار والاحترام المتبادل والمساواة في الكرامة.

-كيف تُوازن أذربيجان بين الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز التنوع الثقافي والديني؟
تُوازن أذربيجان بين الهوية الوطنية والتنوع من خلال فهم فكرة بالغة الأهمية: الهوية الوطنية لا تُلزم الجميع باعتناقها و تبنيها. بل إن الهوية الوطنية القوية قادرة على حماية التنوع، لأنها تُوفر لجميع المجتمعات بيتًا مشتركًا، ومساحة مدنية مشتركة، وشعورًا مشتركًا بالانتماء.
بالنسبة لأذربيجان، تُبنى الهوية الوطنية على أساس الدولة، واللغة الأذربيجانية، والتاريخ المشترك، واحترام الدستور، والارتباط بالأرض، ومفهوم الأذربيجانية. لكن هذه الهوية ليست مُغلقة أو حصرية، فهي لا تُطالب الفرد بالتخلي عن جذوره العرقية أو لغته أو دينه أو تقاليده ليشعر بأنه أذربيجاني.
من هنا ينبع التوازن. فاللغة الأذربيجانية ورموز الدولة تُوحّد المجتمع، بينما يُثريه التنوع الثقافي والديني. يستطيع أي فرد من الليزجين، أو التاليش، أو الآفار، أو الروس، أو اليهود، أو الجورجيين، أو الأوديين، أو أي فرد من أي مجتمع آخر، الحفاظ على تراثه والشعور في الوقت نفسه بأنه جزء من الهوية الوطنية الأذربيجانية الأوسع. في فهمنا، الاندماج يعني المشاركة في الحياة العامة، لا الاستيعاب.
تضطلع الدولة بدورٍ هام في تحقيق هذا التوازن. أذربيجان جمهورية علمانية، وتُعامل جميع الأديان على قدم المساواة أمام القانون. اللغة الرسمية هي الأذرية، ولكن يُكفل أيضاً حرية استخدام وتطوير اللغات الأخرى التي يتحدث بها السكان. يُعد هذا الإطار القانوني بالغ الأهمية لأنه يُظهر أن الوحدة الوطنية والحقوق الثقافية ليستا قيمتين متناقضتين.
أعتقد أن تجربة أذربيجان قيّمة لأنها تُبين أن الهوية الوطنية يمكن أن تكون مظلةً جامعة، لا جداراً عازلاً. فهي قادرة على توحيد الناس دون طمس اختلافاتهم. في عالمنا اليوم، حيث تُعاني العديد من المجتمعات من الاستقطاب، تزداد أهمية هذا النهج.

-برأيكم، ما الذي يُميّز النموذج الأذربيجاني للتعددية الثقافية عن غيره من المناهج الدولية لإدارة التنوع؟
ما يُميّز النموذج الأذربيجاني هو أن التعددية الثقافية فيه لا تُعامل كمجرد سياسة اجتماعية لإدارة الاختلافات، بل هي متجذرة في التجربة التاريخية للبلاد، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من فهمنا للهوية الوطنية.
في العديد من الدول، ظهرت إدارة التنوع كرد فعل على الهجرة أو العولمة أو التوترات الاجتماعية. أما في أذربيجان، فالتنوع ليس واقعًا جديدًا اضطرت الدولة إلى “إدارته”، بل هو واقع قديم تعايش معه المجتمع لقرون.
ثمة فرق جوهري آخر يتمثل في أن النموذج الأذربيجاني لا يقوم على فصل المجتمعات في فضاءات ثقافية معزولة. فنحن لا ننظر إلى التعددية الثقافية على أنها تعايش أفراد متجاورين ومنفصلين، بل الهدف هو التعايش والحوار والمشاركة في حياة مدنية مشتركة. قد يحتفظ أي مجتمع بهويته الدينية والثقافية الخاصة، ولكنه في الوقت نفسه جزء لا يتجزأ من المجتمع الأذربيجاني الأوسع. وأضيف أن النموذج الأذربيجاني متوازن بين التقاليد وسياسة الدولة. من جهة، يسود التسامح في الحياة اليومية، في الأحياء والأسر والمدارس والعلاقات الثقافية. ومن جهة أخرى، تدعم الدولة هذا التقليد من خلال الحكم العلماني، والمساواة القانونية بين الأديان، وحماية التنوع الثقافي، ومؤسسات مثل مركز باكو الدولي للتعددية الثقافية.
أرى أن أهم ما يميز النموذج الأذربيجاني هو سعيه للجمع بين الوحدة والكرامة. فالوحدة تعني الولاء للدولة، واحترام الدستور، والمواطنة المشتركة، والمسؤولية الجماعية. أما الكرامة فتعني أن يشعر كل مجتمع بالاحترام في معتقداته وذاكرته ولغته وتراثه الثقافي.

-كيف يُسهم مركز باكو الدولي للتعددية الثقافية في تعزيز التماسك الاجتماعي وتنمية التفاهم المتبادل بين مختلف المجتمعات؟
يُسهم مركز باكو الدولي للتعددية الثقافية في التماسك الاجتماعي أولاً وقبل كل شيء من خلال تحويل فكرة التعددية الثقافية إلى عملٍ ملموس. فبالنسبة لنا، لا يكفي القول إن أذربيجان مجتمع متسامح. تكمن مسؤوليتنا في إنشاء منصاتٍ يلتقي فيها الناس، ويتحدثون، ويدرسون، ويسافرون، ويطرحون الأسئلة، ويفهمون بعضهم بعضًا فهمًا أعمق.
يُعد التعليم أحد أهم توجهاتنا. فمن خلال تدريس “التعددية الثقافية الأذربيجانية” و”مقدمة في التعددية الثقافية” في الجامعات، نسعى للوصول إلى الشباب قبل أن تترسخ الصور النمطية في أذهانهم. أؤمن إيمانًا راسخًا بأن التماسك الاجتماعي يبدأ من التعليم. فإذا تعلم الشاب في سن مبكرة أن التنوع جزءٌ لا يتجزأ من الحياة الطبيعية للمجتمع، فإنه سيقلّ احتمال أن ينظر إلى الاختلاف على أنه شيءٌ خطير.
كما تُعدّ مدارسنا الصيفية والشتوية الدولية للتعددية الثقافية بالغة الأهمية في هذا الصدد. إذ تجمع هذه البرامج الطلاب والباحثين الشباب من مختلف البلدان، ولا يقتصر دورهم على حضور المحاضرات فقط. يزورون مناطق أذربيجان، ويلتقون بالمجتمعات المحلية، ويشاهدون مواقع التراث الديني والثقافي، ويختبرون التعايش بشكل مباشر. غالبًا ما تكون هذه التجربة العملية أقوى من أي نقاش نظري.
ومن المشاريع المهمة الأخرى منتدى الشباب الدولي للتعددية الثقافية. فنحن لا ننظر إلى الشباب كمجرد مشاركين، بل كصناع قرار وصحفيين ومعلمين وباحثين وقادة مجتمعيين في المستقبل. عندما يتعاون الشباب من مختلف البلدان والخلفيات في قضايا الحوار والسلام والاحترام، فإنهم يبنون شبكات يمكن أن تستمر طويلًا بعد انتهاء المنتدى.
كما يعمل المركز من خلال البحوث والمنشورات والتقارير التحليلية. وهذا أمر بالغ الأهمية لأن التعددية الثقافية لا ينبغي أن تبقى مجرد موضوع عاطفي أو ثقافي، بل تحتاج أيضًا إلى دراسة أكاديمية جادة وتوثيق وتأمل في السياسات. من خلال دراسة الأقليات القومية والجماعات الدينية والتمييز والاندماج الاجتماعي والحوار بين الثقافات، نساهم في خلق حوار عام أكثر وعيًا.
في الوقت نفسه، نحافظ على الحوار مع المجموعات الدينية والعرقية داخل أذربيجان. هذا التواصل المباشر ضروري، فالتماسك الاجتماعي لا يمكن بناؤه من المكاتب أو قاعات المؤتمرات فقط. يتطلب ذلك الإصغاء إلى المجتمعات، وفهم شواغلها، ودعم حضورها الثقافي، وضمان شعورها بالاندماج في الحياة العامة للبلاد.
ويُعدّ التعاون الدولي جزءًا لا يتجزأ من عملنا. فمن خلال الشراكات والمؤتمرات والمنتديات والتبادلات الأكاديمية، نعرض تجربة أذربيجان في الخارج، ونتعلم أيضًا من المجتمعات الأخرى. هذا التبادل المتبادل بالغ الأهمية، إذ لا يوجد بلد يمتلك نموذجًا مثاليًا. جميعنا بحاجة إلى التعلم من بعضنا البعض.
أرى أن رسالة المركز هي بناء جسور التواصل: بين المجتمعات، وبين الأجيال، وبين المعرفة الأكاديمية والواقع، وبين أذربيجان والعالم أجمع.

نبذة عن ريفان حسنوف:
ريفان حسنوف، هو المدير التنفيذي لمركز باكو الدولي للتعددية الثقافية. تخرج بامتياز من كلية الحقوق بجامعة باكو الحكومية، ثم تخصص في القانون بجامعة بوتسدام في ألمانيا، حيث أتم دراساته في القانون الجنائي والإجراءات الجنائية وعلم الجريمة. حصل على درجة الدكتوراه في قانون إنفاذ العقوبات من معهد القانون وحقوق الإنسان التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم في أذربيجان. نُشر كتابه “الجريمة المنظمة في ألمانيا وأذربيجان” في ألمانيا، وهو مؤلف للعديد من المقالات الأكاديمية في مجالات القانون والتعددية الثقافية والسلام والتسامح.

ساهم حسنوف بشكل كبير في مركز باكو الدولي للتعددية الثقافية، حيث شغل منصب محرر ومنسق أعمال مثل “التعددية الثقافية الأذربيجانية: كنز التنوع العرقي”، و”التراث الإثني والثقافي لألبانيا القوقازية”، و”علم أسماء الحقيقة”، كما أنه مؤسس ورئيس تحرير مجلة التعددية الثقافية الدولية.
تقلد عدة مناصب مهمة، حيث اشتغل أخصائيا أول ومستشارا في الدائرة الاستشارية لرئيس أذربيجان للشؤون الدولية والتعددية الثقافية والدينية ما بين سنتي (2016-2017). في فبراير 2019، وبأمر من الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، عُيّن ريفان حسنوف مديرًا تنفيذيًا لمركز باكو الدولي للتعددية الثقافية، كما أسهم في تنظيم العديد من منتديات الحوار بين الثقافات والأديان، بالإضافة إلى برامج شبابية وتعليمية، وحصل على جوائز عديدة تقديرًا لإسهاماته في القانون والتعددية الثقافية والحوار

زر الذهاب إلى الأعلى