الدين والحياة

فردريك لونوار والتفلسف مع الأطفال

منتصر حمادة

هذا كتاب غريب وهام في آن، ونتحدث عن غرابة وأهمية تهمنا نحن هنا في المنطقة العربية، والحديث عن كتاب "التفلسف والتأمل مع الأطفال"، لمؤلفه، الأكاديمي والإعلامي الفرنسي فردريك لونوار، وصدر عن دار "ألبان ميشيل" الباريسية.
والمؤلف للتذكير، مفكر فرنسي ولد بمدغشقر، بدأ مساره المهنية في دار "فايارد" الفرنسية، قبل أن يُعين في مدرسة الدراسات العليا وأنتج العديد من البرامج التلفزيونية حول أديان العالم، وأشرف على إدارة "موسوعة الأديان" الصادرة سنة 2000، كما عُيّن سنة 2009 مدير تحرير مجلة "عالم الأديان"، المتخصصة على علوم الأديان، الإبراهيمية والوضعية، إضافة إلى حضوره في العالم الرقمي من خلال موقعه الإلكتروني.


جاء العمل موزعاً على ما يُشبه ثلاثة فصول أو محاور وكانت عناوينها كالتالي: ممارسة الانتباه، ممارسة التفلسف، أوراش فلسفية، حيث خُصص المحور الأول، لكي يتوقف المؤلف عند أسباب نزول الفكرة والمشروع، وهي التي تهمنا أكثر في هذا العرض الأولي مع العمل، ثم محور يتضمن عرضاً لمضامين الورشات التي جمعت المؤلف بالأطفال، على هامش الخوض في عدة مفاهيم [ص 68 إلى ص 209]، كما تضمن الكتاب ملحقاً جاء في حوالي 40 صفحة للتعريف ببعض المفاهيم، في صفحتين لكل مفهوم (من قبيل مفاهيم الحب، العنف، الحقيقة، العمل، المجتمع، الجمال، السعادة، الفن.. إلخ)، مع الاستشهاد بأقوال فلاسفة، من باب تبسيط المفهوم للأطفال. وتضمن العمل أيضاً 31 صفحة مخصصة لعرض صور الأطفال الذي حاورهم المؤلف في هذه الورشات الفريدة التي نُظمت على عدة دول فرنكفونية.
والكتاب في الواقع إسم على مُسمى، لأن العمل يروم تبسيط السؤال الفلسفي أو الهم الفلسفي للأطفال بالتحديد، حيث يراهن المؤلف على تنظيم ورشات يديرها بنفسه، تتميز بدعوة الأطفال، مع مطالبتهم بعدم التفكير في أي شيء طيلة خمس دقائق، حتى يكون بإمكانهم التركيز على تنفسهم وإحساسهم الحركي، وبفضل هذا التمرين، يحصل التلاميذ على انتباه أكثر، وبعدها فقط، يستطيعون، بكل هدوء التركيز وتناول المواضيع الفلسفية اللاحقة، من قبيل الصداقة، العنف، الحب، السعادة ومفاهيم أخرى، وبعدها يتم الانتقال إلى تنظيم ندوات مصغرة، رفقة كتب ورقية وصوتية، وتنظيم رشات فلسفية، إضافة إلى تدقيق مناهج استعمال موجهة للأساتذة بالتحديد، ولذلك سيكون مفيداً للغاية لو تأمل أساتذة مادة الفلسفة في المنطقة، مضامين وتفاصيل  هذه التجربة الفريدة.
من مفاجآت هذا الكتاب، أن مستوى النقاش بين الأطفال (7-11 سنة)، يصب في تغذية حصانة ضد النزعات الشعبوية والعدمية، إضافة إلى أنهم يتعلمون أخلاق الحوار والاختلاف، بأدب ورُقي، ويتضح ذلك بشكل جلي في طبيعة الإشارات الصادرة عن هؤلاء، رغم حداثة سنهم. ولنا أن نتخيل طبيعة الإشارات في مرحلة المراهقة والشباب.
الإبداع الذي نُعاينه في هذا الكتاب، قائم في عديد إشارات صادرة عن أطفال، لا علاقة له بمرجعية إيديولوجية أو جنسية أو ثقافية أو شيء من هذا القبيل، حتى إن الكتاب حافل بإبداعات أطفال من عدة جنسيات (فرنسية، كوت ديفوارية، كندية، سويسرية، بلجيكية) وعدة أديان (يهودية، مسيحية، إسلامية)، لنقل إنها مسألة ظروف وشروط متوفرة، لا أقل ولا أكثر. للأطفال قابلية الإبداع، ونتحمل مسؤولية كبيرة في تشجيع هذا الإبداع أو قمعه، وهذا أحد أهم رهانات الكتاب والمؤلف، وربما بسبب هذه الهواجس، توقف المؤلف عند رأي شائع، مفاده أن قابلية الإحساس بالسعادة أو بالتعاسة تبقى مسألة هي فطرية لدى البشر، بنسبة 50 بالمائة، إذ إن تلك القابلية تمثل حصيلة الجينات الموروثة والحساسية والمزاج. وأن 10 في المائة تعود للظروف الخارجية وللبلدان التي يعيش فيها المعنيون والحالة المادية للأسرة.
"المشاعر تتحكم فينا أكثر مما نتحكم فيها": صاحب هذه الإشارة طفل من الأطفال الذي شاركوا مع مُحرر هذا الكتاب، وجاءت في الصفحة 97، وتتكرر مثل هذه الإشارات كثيراً في الكتاب، بحيث تخصّص لها صفحة كاملة، ولنوعية ودلالات هذه الإشارات، يجد القارئ نفسه يطرح السؤال التالي: هل الأمر يتعلق بكتاب حواري مع أطفال فعلاً؟ مع علم يقيني سلفاً بأن الأمر كذلك، أي أننا إزاء بكتاب حواري فلسفي يروم تبسيط مفاهيم الفلسفة للأطفال، ورغم أن أغلب مداخلات الأطفال متوقعة، بالنظر إلى حداثة سنهم، وبالنظر أيضاً إلى غلبة أخلاق البراءة، إلا أن الأمر مختلف كثيراً مع عديد إشارات.
هل هناك فرق بين السعادة والسرور؟ سؤال موجه إلى الأطفال المعنيين بهذا الكتاب، حيث نقرأً، على سبيل المثال لا الحصر، جواباً لطفلة مشاركة، ترى أن السعادة تستمر لمدة أطول، بينما السرور حالة زمنية ظرفية، فجاء رد محرر الكتاب، فردريك لونوار في صيغة الإشادة بالجواب، معتبراً أنه جواب هام جداً، ومستشهداً باجتهادات فلاسفة كبار، من طينة أبيقور وأرسطو، من الذين توصلوا إلى نفس النتيجة (ص 82)، وواضح أن الهدف من التفاعل والاستشهاد بهذه الأعلام، يروم تشجيع الأطفال المشاركين والتنويه بتفاعلهم والرفع من مؤشر معنوياتهم.
ومن باب التذكير، يُعتبر فردريك لونوار من أهم الباحثين الفرنسيين الذين اشتغلوا على مفهوم السعادة، بل إن أحد أعماله الأخيرة، وعنوانه "عن السعادة.. رحلة فلسفية"، بيعت منه الملايين من النسخ، بمقتضى مرجعيته في تناول المفهوم، في مجال ثقافي يتميز أساساً بأنه مجتمع معرفة، على غرار أغلب المجالات الثقافية الأوربية.
من مفاتيح هذا المشروع تلك التي اصطلح عليها المؤلف بـ"القواعد المؤسسة والتوصيات العشرة"، ونوردها باقتضاب:
ــ توفير مكان ملائم لمثل هذه المناسبات من أجل تبسيط وتسهيل الحوار بين الأطفال؛
ــ مساءلة آراء الأطفال بخصوص الفلسفة، مع التركيز على سؤال اثنين في هذا السياق: هل تعرفون ما معنى الفلسفة؟ وما فائدتها؟ [أورد المؤلف نماذج من إجابات الأطفال في الصفحة 51 و52، مع الإشارة الضرورية في هذا السياق، كما نقرأ في الصفحة 61، إلى أن جميع الجلسات والورشات تمّ تسجيلها وتوثيقها بالصوت والصورة، إضافة إلى مرروها عبر تنقيح وتدقيق من طرف المؤلف، وصياغتها في كراسات، موجهة خصيصاً للأساتذة المهتمين بتقليد هذه المبادرة] ــ إخبار الأطفال بجدوى هذه الورشات، مع تركيز على قاعدة جوهرية في هذا السياق، مفادها أن المؤطر (وهو المؤلف)، ليس أستاذاً للحكم والتقييم والفصل، وإنما مجرد محاور لمساعدة وتسهيل الحوار بين الأطفال، بكل أريحية ورحابة، بعيداً عن أجواء الدراسة والتعليم النظامي؛
ــ اختيار مداخل مُحفزة على النقاش والحوار؛
ــ الاقتصار على الإدلاء بأقل عدد من الآراء الشخصية [بالنسبة للمؤطر]، مقابل الرهان على توضيح المفاهيم على قدر المستطاع والمتاح أمام الأطفال.
ــ تفادي طرح إجابات صارمة ونهائية، مع تأكيد المؤلف أنه يصعب على المنسق أن يبقى محايداً وهو يتابع هذه الجلسات الحوارية بين الأطفال، وأنه في أحسن الأحوال، يمكن أن يتدخل لكي يسرد تاريخ الفلسفة من أجل تحفيز الأسئلة وتغذيتها في آن؛
ــ الانطلاق من أجوبة الأطفال المشاركين من أجل إطلاق نقاشات جديدة، مستشهداً بما جرى في إحدى الجلسات الحوارية التي أثير فيها الموضوع الذي يتخصص فيه المؤلف، أي موضوع/ مفهوم السعادة، حيث كانت أجوبة بعض الأطفال فرصة استغلها المؤلف لإثارة نقاش جديد، انطلاقاً من مضامين تلك الأجوبة؛
ــ إعادة تأطير النقاش عندما يسقط المحاورون في التناقضات، خاصة أن الأمر يتعلق أساساً بأطفال؛
ــ إعطاء الكلمة للأطفال الذين لا يتحدثون كثيراً، تحليل الإجابات وإعادة صياغتها أمام الأطفال حتى تكون الاستفادة أعم؛
ــ وأخيراً، الاحتفاظ بنسخة ورقية من النقاشات التي أثيرت في هذه الورشات، حيث اقترح المؤلف في هذا السياق أن يتم توزيع كتيب على الأطفال تحت عنوان جامع هو "كراستي الفلسفية"، تكون مخصصة لكي يُحرر فيها كل مشارك أهم ما توصل إليه من أفكار في خاتمة هذه الورشات.
نتوقف عند بعض إشارات المؤلف للقراء، أثناء تنظيم ورشة مع الأطفال في مدينة مولنبيك البلجيكية، ومعلوم أن هذه المدينة، كانت محط اهتمام وسائل الإعلام الأوربية على هامش الاعتداءات الإرهابية التي طالتها، وتورط فيها مراهقون مسلمون، من ضحايا الإقصاء الاجتماعي والسياسي هناك، وأيضاً من ضحايا خطاب ديني متشدد.
وبالنتيجة، كانت أسماء الأطفال في المدرسة المعنية، لأطفال مسلمين (زكريا، أمين، حسن، مروة، آدم، مريم، سلوى)، وفي معرض تفاعل الأطفال مع أسئلة المؤلف، أقرّ هذا الأخير أننا إزاء فلاسفة صغار بحق. وكانت هذه أول مرة يصدر عنه هذا الاعتراف بهذه الصيغة، مستشهداً بنصوص تزكي شهادته، من خلال تمرير هذه الشهادة، عبر مقارنة مضامين تفاعلات الأطفال، ومضامين اجتهادات فلاسفة كبار، ومن ذلك، كما نقرأ في الصفحة 38، أن إشارة أرسطو إلى صعوبة ممارسة التفلسف قبل 45 سنة، تتطلب، حسب المؤلف الحسم أولاً في المقصود بالتفلسف، وإلا ما كان يورط نفسه في هذا المهمة الفريدة، مستشهداً ببعض خلاصات أعمال الباحثة الفرنسية كاثرين غيغان، كما جاءت في كتابها الهام بتعبير المؤلف، وعنوانه: "من أجل طفولة سعيدة: إعادة التفكير في التربية على ضوء الدراسات الحديثة حول الدماغ". والشاهد هنا، أن هذه التزكية تؤكد ما أشار إليه المؤلف مراراً، بخصوص قابلية الأطفال لطرق باب التفلسف، رغم حداثة السن.
هناك أيضاً، قابلية تفكيك خطاب "التطرف العنيف" في عقر المنطقة التي أنتجت فاعلين يُفجرون أنفسهم، باسم الدين، والدين براء من هذه الاعتداءات.
إيمان المؤلف بثقافة الاعتراف والدعم والمساندة وما إلى ذلك، جعله يُخصص الغلاف الثاني لبعض مقولات الأطفال الذين قضى لهم جلسات في سياق التعرف على التفلسف والتأمل (كما جاء في عنوان الكتاب). بل تضمن بعض الصور من باب تكريس هذا الاعتراف، ولذلك نجدد التأكيد أن هذا العمل مُفيد لأساتذة الفلسفة عندنا في المنطقة العربية من باب الاستئناس والاستلهام.
بناءً على هذه التجربة، سوف يُعلن المؤلف في خاتمة الكتاب عن نية إطلاق مشروع محلي في فرنسا، يروم تشجيع أي مبادرة من هذه الطينة، سواء في فرنسا أو في الخارج، وخاصة المؤسسات التعليمية، أو المبادرات التعليمية التي تنتصر لفعل التأمل الجماعي مع الأطفال. وهذا ما تمّ فعلاً على أرض الواقع هناك لاحقاً.
ومن باب تكريس ثقافة الاعتراف، يختتم المؤلف الفقرة الأخيرة من الكتاب، باستحضار إشارة للراحل فاكلاف هافل، مفادها أنه "أمام الثورة التكنولوجية والتحولات المرتبطة بالعولمة، نحتاج إلى ثورة في الوعي الإنساني" (ص 259)، وضمن مفاتيح هذا الوعي، والقول هذه المرة للمؤلف، نجد على التربية لأنها توقظ وعي الأطفال، وتساعدهم على اكتساب ذكاء عاطفي وروح نقدية في مواجهة الإيديولوجيات السياسية والدينية، وتساعدهم أيضاً على تكريس قيم المشترك الإنساني.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى