أخبار دوليةسلايدر

فنزويلا… نيكولاس مادورو في قبضة الجيش الامريكي

بقلم/ ياسين المصلوحي

استفاق العالم، صبيحةَ السبت الثالث من يناير الجاري، على خبر القيام بعملية عسكرية أمريكية واسعة داخل فنزويلا، في إطار هجوم استهدف العاصمة كراكاس فجرَ اليوم، انتهت باعتقال مادورو وزوجته وترحيلهما جوًّا خارج البلاد، حسب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

هذه العملية ليست إلا تحصيلَ حاصلٍ لسنواتٍ من الصراع والمشاحنات السياسية والعسكرية والاقتصادية، منذ سنة 1999 ووصول المعارض اليساري هوغو تشافيز إلى الحكم، وخلافته بنيكولاس مادورو سنة 2013، لتدخلَ العلاقات الأمريكية-الفنزويلية نفقًا مظلمًا. وبعد عودة ترامب إلى حكم الولايات المتحدة الأمريكية، ارتفعت وتيرة التصعيد التي تم تغليفها في قالب حرب أمريكية على المخدرات، تلاها تصنيف «كارتل دي لو سوليس» منظمةً إرهابية، ثم إعلان ترامب إغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا ومحيطها بالكامل، وفرض حصار بحري كامل على ناقلات النفط الفنزويلية بعد مصادرة ناقلتين في المياه الدولية، وذلك في إطار العقوبات الاقتصادية للضغط على مادورو.

من زاوية العلاقات الدولية، قد يندد بعض المتابعين بما قامت به أمريكا، واعتباره خرقًا للمواثيق الدولية والقانون الدولي العام، واعتداءً على سيادة دولة قائمة الذات. إلا أن الاعتداء على سيادة الدول لا يكون بصيغة عسكرية فقط، فقد يتخذ شكلًا اقتصاديًا كما كان يجري في دول وسط إفريقيا من طرف فرنسا، أو عقائديًا مذهبيًا كما تفعل إيران في مجموعة من دول الشرق الأوسط، كلبنان والعراق واليمن وسوريا قبل الإطاحة بنظام الأسد. كما أن نظام العلاقات الدولية يخضع لمنطق مدرستين: المدرسة المثالية، القريبة من القانون الطبيعي، التي تساوي بين الدول في القوة والسيادة، وتضع العلاقات الدولية في قالب من الرومانسية، بعيدًا عن منظور المدرسة الواقعية التي تعالج العلاقات الدولية من منطلق براغماتي صرف، يجعل عقيدتها المقدسة هي المصالح، وتكريس هيمنة الدول القوية وفرض قانونها وفق القوة الصلبة. بل حتى من يحلل السلوك السياسي والدبلوماسي للنظام الفنزويلي يلاحظ أنها دولة تدعم حركات التحرر، وتشجع على الانفصال عبر العالم، وهو ما يُعدّ أيضًا تدخلًا في سيادة الدول الأخرى، ولعل أبرز مثال على ذلك دعمها المطلق، المادي والمعنوي، لجبهة البوليساريو الانفصالية.

من جهة أخرى، تطرح الطريقة التي تم بها تنفيذ العملية العسكرية داخل فنزويلا عدة تساؤلات، خصوصًا من الناحية الأمنية، حيث لم يُسجَّل أيُّ مقاومة أو اشتباك بين القوات الأمريكية والفنزويلية، ما يُزكّي فرضية الاختراق الأمني-الاستخباراتي من الداخل، إضافة إلى تسليط الضوء على الفوارق التكنولوجية بين البلدين. وتشير تقارير إلى تعطيلٍ كاملٍ لنظام الرصد والرادار، الذي لم يتمكن من رصد طيران فيلق من طائرات الهيليكوبتر العسكرية في المجال الجوي الفنزويلي، أعقبه إنزالٌ خاطفٌ لقوات «دلتا» داخل القصر الرئاسي، وتوقيف الرئيس وزوجته ونقلهما خارج البلاد دون مقاومة تُذكر.

إننا اليوم بصدد بناء نظام عالمي جديد، لا يعترف بالحدود الإقليمية للدول، ولا بسيادتها القضائية، ولا حتى بسمو القوانين الدولية والمنظمات الأممية التي تتوفر على هياكل تنظيمية ذات بعد أخلاقي أكثر منه ضبطي وإجرائي. عالمٌ تنهار فيه كل الضوابط أو المحددات الدولية، ولا يَعير الاهتمام إلا لمنطق القوة واستعمالها لفرض المبادئ. كما أننا نلاحظ تقاطبًا دوليًا يتجه نحو إضعاف المعسكر الشرقي المحافظ، لصالح المعسكر الغربي الحداثي، عبر إضعاف أغلب الدول الاشتراكية (إيران، الصين، كوبا، كوريا الشمالية)، في امتدادٍ للحرب الباردة رغم الإعلان عن انتهائها رسميًا.

زر الذهاب إلى الأعلى