أخبار الدارأخبار دوليةسلايدر

مخاض الواقعية السياسية في واشنطن و هندسة الحسم النهائي لملف الصحراء الغربية المغربية.

تنبئ الدينامية المتسارعة التي تشهدها ردهات صنع القرار في العاصمة الأمريكية واشنطن، خلال الجولة التفاوضية ليومي 23 و24 فبراير 2026، بأن ملف الصحراء الغربية المغربية قد غادر وبشكل لا رجعة فيه دهاليز الترقب والإنتظار، ليدخل مرحلة “التنزيل العملياتي” تحت سقف السيادة المغربية الكاملة. فتدفق “التسريبات الذكية” في هذا التوقيت المفصلي ليس مجرد هفوة تواصلية وإعلامية، بل هو تجسيد لسياسة “بالونات الإختبار” الدبلوماسية التي تنهجها الإدارة الأمريكية لجس نبض العواصم المعنية، وقياس مدى نضج الأطراف للإنخراط في الحسم النهائي لزاع مفتعل دام لأكثر من خمسين سنة .

وتكشف هذه القراءة الاستشرافية المتواضعة لما ثم من تسريبات، أن المقترح المغربي قد شهد تطور بنيوي نوعي، فبينما كان مشروع 2007 عبارة عن إطار سياسي عام لفتح آفاق الحوار، برزت نسخة 2026 كوثيقة هندسية دقيقة تتجاوز الأربعين صفحة، لتنتقل من لغة المبادئ إلى تفاصيل “الهندسة المؤسساتية” التي تفصل في تقاسم الموارد الطبيعية وتحديد الحصص السيادية من الثروات، بما يضمن استقلالا ماليا وازنا لجهة الحكم الذاتي ضمن الهيكل الموحد للدولة.
ويبرز الجوهر الإبتكاري في هذه المرحلة من خلال مفهوم “التمثيلية الثلاثية المقننة” داخل البرلمان الجهوي المرتقب، وهي صيغة تهدف إلى تذويب رواسب النزاع عبر دمج العائدين من المخيمات، والمكون الصحراوي الوحدوي، والساكنة المحلية في وعاء ديمقراطي واحد، مع تفعيل آليات كابحة للاستفراد بالقرار. ومع إمتداد الرؤية الجغرافية لتشمل جهة كلميم واد نون في أبعادها القبلية والإقتصادية، تترسخ المقاربة الأمريكية الساعية لضمان إستدامة الحل. وفي قلب هذا التحول الدستوري،والذي سنعود إليه في مقال خاص، تظهر آلية تنصيب رئيس الجهاز التنفيذي الجهوي بظهير ملكي كحلقة وصل مقدسة بين الشرعية الإنتخابية والمشروعية السيادية، إذ لا يشكل هذا التنصيب أي قيد على الحكم الذاتي بقدر ما يعد صمام أمان يمنح المؤسسات الجهوية صبغتها الوطنية ويحصنها ضد مخاطر التفتت، محاكيا في ذلك أعرق الملكيات الدستورية التي تزاوج بين الاستقلال المحلي والرمزية الوحدوية للعرش.
إن هذا المسار ورغم ما يحيط به من حذر دبلوماسي محكوم بقاعدة “لا اتفاق على شيء حتى يتم الإتفاق على كل شيء”، يستفيد من زخم جيوسياسي غير مسبوق جعل من الصحراء الغربية المغربية قطب دولي للطاقات المتجددة ومنصة للإستقرار الأطلسي، مما يضع الجزائرية وجبهة بوليساريو أمام خيار وجودي بين الإنخراط في “الواقعية المعيشية” التي ينشدها الشتات والجيل الجديد في المخيمات، أو البقاء في عزلة الأيديولوجيات البائدة.

ختاما، إن ما يروج اليوم في الغرف المغلقة بواشنطن هو “الضجيج الذي يسبق الهدوء الكبير”، حيث إنتقل الدور الأمريكي من رعاية التفاوض إلى هندسة الإستقرار المستدام، واضعا مبادرة الحكم الذاتي كخيار وحيد وأوحد لإنهاء أطول نزاع مفتعل في القارة الإفريقية قبل صيف 2026، في أفق تحويل المنطقة من بؤرة توتر إلى جسر تنموي يربط إفريقيا بالعالم، ويفرض على الجار الجزائري حتمية القبول ببراغماتية الجوار بعيدا عن أوهام الهيمنة والزعامة الإقليمية.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل إستراتيجي خبير في الدراسات الصحراوية والساحل .

زر الذهاب إلى الأعلى