
بين طيات الرهانات الجيوسياسية المتسارعة، وما أفرزته التفاهمات الإستراتيجية الكبرى في العواصم الدولية المؤثرة كواشنطن ولندن وباريس وحتى مدريد، يبرز التساؤل الجوهري حول ماهية “الهندسة السياسية الجديدة” الكفيلة بنقل الأقاليم الجنوبية من مرحلة التدبير التنموي المكثف (النموذج التنموي الجديد بالأقاليم الصحراوية) إلى مرحلة الحكم الذاتي الموسع تحت السيادة المغربية. فنحن اليوم بصدد صياغة عقد إجتماعي وسياسي مغربي مائة في المائة، نموذج لا يكتفي بترميم الهياكل القائمة فقط، بل يطمح إلى إبتكار نموذج حكم ذاتي مرن يستوعب الخصوصية الثقافية للمنطقة ويصهرها في بوتقة الوحدة الوطنية الشاملة، ليحول الصحراء من نقطة نزاع مفتعل إلى قطب رحى للإستقرار الإقليمي. وفي هذا السياق، يكتسب المشروع المغربي بعد قانوني دولي تنموي، بإعتباره ينسجم مع التحولات المعاصرة في تدبير النزاعات الترابية التي باتت تميل إلى الحلول التوافقية القائمة على توسيع المشاركة الترابية وتعزيز الديمقراطية المحلية، بدل المقاربات الصدامية التقليدية.
وفي أفق تعميق هذا التحليل، يبرز وجود تقاطع واضح بين مبادئ العدالة الإنتقالية ومضامين مشروع الحكم الذاتي، بما يجعل هذا الأخير إطار مؤسساتي يمكن أن يساهم في تعزيز الإصلاح وترسيخ قيم المصالحة والإنصاف داخل المجال الترابي. فقد راكم المغرب تجربة نوعية في هذا المجال، تجسدت في مسار معالجة إنتهاكات الماضي وتعزيز الثقة بالمؤسسات من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة، وهو ما يمثل نموذج مرجعي يمكن إستثماره لدعم مختلف المبادرات الإصلاحية، وعلى رأسها مشروع الحكم الذاتي، في إتجاه ترسيخ دولة القانون وتوسيع دائرة المشاركة المواطنة. ومن هذا المنظور، لا ينظر إلى الحكم الذاتي كغاية في ذاته، بل كآلية لحل نزاع إستمر لعقود، ووسيلة لبناء تعاقد إجتماعي جديد قائم على الإعتراف المتبادل وإعادة توزيع الثقة بين الدولة والمجال.
تتأسس الهندسة الجديدة على فلسفة “توزيع السلطات لا تجزئتها”، حيث يغدو الحكم الذاتي أداة لتمكين الساكنة المحلية من تدبير شؤونها التشريعية والتنفيذية والقضائية في المجالات غير السيادية، بما يعكس ذلك التطور النوعي في مفهوم السيادة ذاته من ممارسة عمودية للسلطة إلى ممارسة أفقية متعددة المستويات. كما يستدعي هذا التحول ملاءمة القوانين الوطنية مع مقتضيات النظام الأساسي لإقليم الحكم الذاتي، في إطار دينامية دستورية تؤسس لتكامل مرن بين المركز والجهة. هذه الملاءمة ليست مجرد تعديل تقني، بل إعادة صياغة للنصوص التشريعية ويمنح البرلمان المحلي صلاحيات في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والبيئة والضرائب المحلية، مع الحفاظ على وحدة المنظومة القانونية الوطنية للدولة في قضايا الدفاع والخارجية والعملة والثوابت الوطنية. كما يفتح هذا المسار المجال أمام بناء نموذج مغربي متفرد في التفريع المؤسساتي، يجعل من الجهة مجالا لإنتاج السياسات العمومية وليس فقط مجالا لتلقيها أو تنفيذها.
وفي هذا السياق، يكتسب سؤال التفعيل أهمية مركزية ،فكيف يمكن تنزيل هذا المقترح في ظل السيادة المغربية بطريقة تعزز الوحدة وتعمق الشرعية وتؤسس لإستدامة مؤسساتية؟ إن معالجة هذا السؤال تقتضي الإنتقال من مقاربة قانونية صرفة إلى مقاربة تعتبر الحكم الذاتي مشروع لإعادة توزيع الثقة، لا مجرد إعادة توزيع للإختصاصات، فإدراج الحكم الذاتي ضمن أفق العدالة الإنتقالية يجعله آلية لإعادة بناء العلاقة بين المركز والمجال على أساس الوطنية والإعتراف والمشاركة وهو ما يفتح المجال أمام إعادة تأهيل العلاقة الرمزية والمؤسساتية بين الدولة ومجالاتها.
وللانتقال بهذا السقف المغربي للتفاوض من التنظير السياسي إلى التنزيل المؤسساتي، تبرز الحاجة إلى آليات تفعيل دقيقة ومرحلية، تبدأ بإنشاء “هيئة إنتقالية موسعة” تضم الفعاليات السياسية والقبلية والمجتمعية بالأقاليم الجنوبية، تكون مهمتها التجسير بين الإدارة المركزية الحالية وهياكل الحكم الذاتي المستقبلية، بما يضمن إنتقالا سلسا للشرعية المؤسساتية وتراكما تدريجيا للخبرة التدبيرية الجهوية، كما يكتسي هذا الانتقال طابع إستراتيجي يتجاوز البعد الإداري، لأنه يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجال على أساس تعاقد وطني قوامه الوطنية والثقة والتقاسم المسؤول للإختصاصات والموارد.
في هذا الأفق، يبرز مفهوم الذكاء الترابي كإطار ناظم لنجاح هذا التحول، إذ لا يقتصر على حسن تدبير الموارد المحلية، بل يشمل قدرة المجال على إنتاج معرفة بذاته وإستثمار ذاكرته الجماعية في التخطيط الإستراتيجي، وتحويل خصوصياته الثقافية والإجتماعية إلى رأسمال تنموي وسياسي، كما يشكل إعادة تأطير الحكم الذاتي بإعتباره صيغة متقدمة لجبر الضرر المجالي أحد المفاتيح المركزية لحلحلة إشكالية التفعيل، لأن الإنصاف المجالي لا يتحقق فقط عبر المشاريع التنموية الظرفية، بل عبر إعادة بناء العلاقة المؤسساتية بين الدولة والمجال على أسس الاعتراف والتأهيل والتوازن في توزيع الفرص.
كما يتطلب هذا التحول إرساء “نظام قضائي جهوي” متخصص قادر على البت في النزاعات المرتبطة بالإختصاصات المحلية والتنمية الترابية، بما يعزز الأمن القانوني ويشجع الإستثمار ويضمن حماية الحقوق الإقتصادية والإجتماعية للساكنة، ويوازي ذلك إحداث مركز مالي جهوي يتمتع بهامش من الاستقلالية في تدبير الموارد الطبيعية والجبايات المحلية تحت رقابة الدولة، بما يكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في أبعاده الترابية، ويجعل من التنمية أداة لترسيخ الاندماج الوطني وتعزيز التماسك الاجتماعي.
في هذا السياق، تتحول النخب المحلية من فاعلين داخل إطار التمثيلية المؤسساتية المحدودة إلى فاعلين إستراتيجيين في صناعة القرار العمومي الجهوي، بما يسمح بإعادة إنتاج الشرعية السياسية من القاعدة الترابية نحو المركز. ويعكس ذلك إنتقالا نحو نموذج دولة منسقة، تعمل على توجيه الديناميات الجهوية وتأطيرها في إنسجام تام مع التحولات العالمية التي جعلت من الجهات والحواضر الكبرى فاعلين أساسيين في الإقتصاد الوطني والدولي. كما يفرض هذا المسار تجاوز بعض السرديات المتوجسة المرتبطة بالتفويض السيادي أو الخوف من تجزيء السلطة، عبر ترسيخ ضمانات دستورية وقضائية واضحة تجعل من الحكم الذاتي تعبيرا عن نضج الدولة في الانتقال من منطق الحماية إلى منطق الثقة المؤسسة.
ختاما، إن نجاح هذا التحول يظل رهين القدرة على تحويل الحكم الذاتي من مجرد مقترح تفاوضي إلى واقع مؤسساتي معاش، يلمس فيه المواطن المغربي الجنوبي نبل المواطنة الكاملة وعمق الإنتماء، في ظل مغرب يتسع لكل أبنائه، ومحصن بشرعيته التاريخية ومنفتح على حداثة التدبير الجهوي. كما أن ترسيخ هذا النموذج من شأنه أن يعزز تموقع الأقاليم الجنوبية كبوابة جيوإقتصادية نحو العمق الإفريقي، وكمنصة للتعاون المتوسطي الإفريقي في مجالات الاستثمار والطاقات المتجددة والربط اللوجستيكي، بما يمنح الحكم الذاتي بعدا تنمويا وإستراتيجي يتجاوز الإطار الوطني نحو أفق إقليمي أوسع، ويجعل منه مختبر وطني لإعادة تعريف العلاقة بين السيادة والمجال في زمن التحولات الدولية المتسارعة.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي






