أخبار الدارسلايدر

نزار بركة: إصلاح المستشفى العمومي معركة وطنية لبناء الثقة وضمان السيادة الصحية والعدالة العلاجية

احمد البوحساني

أكد الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة أن إصلاح المنظومة الصحية وتعزيز مكانة المستشفى العمومي يشكلان أحد أبرز رهانات بناء الدولة الاجتماعية، معتبراً أن نجاح ورش تعميم الحماية الاجتماعية يفرض اليوم الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها ضمان الولوج الفعلي والعادل إلى العلاج لكل المغاربة.

وجاء ذلك خلال ندوة نظمتها رابطة الأطباء الاستقلاليين تحت عنوان: “المستشفى العمومي والعرض الصحي بالمغرب: طموحات ورافعات الإصلاح”، بحضور وزراء وخبراء ومهنيين في قطاع الصحة وفعاليات سياسية ومدنية.

وأكد بركة أن اللقاء يندرج ضمن الدينامية الجديدة التي أطلقها حزب الاستقلال لتجديد تعاقده مع المواطنات والمواطنين، عبر خمسة التزامات سياسية كبرى تتمثل في حماية الأسرة ومنظومة القيم، وحماية القدرة الشرائية ومحاربة الريع، واعتماد سياسة صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح، والدفاع عن المرفق العمومي، وتعزيز السيادة الوطنية في مختلف أبعادها الاقتصادية والتكنولوجية والغذائية والمائية والرقمية.

وشدد الأمين العام لحزب الاستقلال على أن المستشفى العمومي يوجد اليوم في قلب مشروع الدولة الاجتماعية الجديدة، معتبراً أنه ليس مجرد مؤسسة لتقديم الخدمات الصحية، بل يمثل أحد أعمدة العقد الاجتماعي الوطني وضمانة أساسية لتحقيق المساواة والإنصاف بين المواطنين، بغض النظر عن مكان إقامتهم أو أوضاعهم الاجتماعية.

وفي هذا السياق، أشاد بالورش الملكي لتعميم الحماية الاجتماعية الذي مكن ملايين المغاربة من الاستفادة من التغطية الصحية، واصفاً إياه بأنه أحد أكبر الإصلاحات الاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث. لكنه أكد أن توفير التغطية الصحية وحده لا يكفي، ما لم يقترن بتوفير خدمات علاجية ذات جودة وفي متناول الجميع.

وأوضح أن المستشفى العمومي يظل القلب السيادي للمنظومة الصحية الوطنية، نظراً للدور الحيوي الذي يضطلع به في استقبال الحالات المستعجلة، والتكفل بالأمراض المعقدة والنادرة، وتكوين الأطر الصحية، وضمان استمرارية الخدمات الصحية بالمناطق النائية، مشدداً على أن تعزيز قدراته لا يعني الدخول في مواجهة مع القطاع الخاص، بل يندرج في إطار تحقيق التكامل بين مكونات المنظومة الصحية الوطنية.

وسجل بركة أن المستشفى العمومي يواجه تحديات هيكلية متراكمة، أبرزها الفجوة بين تطور حاجيات المواطنين والإمكانات المتاحة، وضغط الطلب على الخدمات الصحية، ونقص الموارد البشرية، وتفاوت العرض الصحي بين الجهات.

واعتبر أن تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض كشف عن تحد جديد يتمثل في توجه الجزء الأكبر من نفقات التأمين الصحي نحو القطاع الخاص، وهو ما يفرض، بحسب قوله، الاستثمار بشكل أكبر في المستشفى العمومي لضمان استدامة التمويل والحفاظ على التوازن المالي للمنظومة الصحية.

كما أبرز أن الرأسمال الحقيقي للقطاع الصحي يتمثل في الأطباء والممرضين ومختلف مهنيي الصحة، داعياً إلى إرساء ميثاق جديد يقوم على التحفيز والاعتراف بالكفاءة وتحسين ظروف العمل والتكوين المستمر، بما يضمن استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها داخل المستشفيات العمومية.

وفي معرض تقديمه لرؤية حزب الاستقلال لإصلاح المستشفى العمومي، دعا بركة إلى إعادة بناء الرعاية الصحية الأولية وتقوية طب القرب، من خلال توفير طبيب مرجعي لكل مواطن، وتأهيل المراكز الصحية وتجهيزها، واعتماد مسارات علاجية واضحة بين مختلف مستويات الرعاية الصحية، مع توسيع استخدام الرقمنة والتطبيب عن بعد لتقريب الخدمات من المواطنين بالمناطق البعيدة.

كما شدد على ضرورة منح المستشفيات العمومية استقلالية أكبر في التدبير وربطها بعقود أداء واضحة، بما يعزز الحكامة ويرسخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب توفير تمويل مستدام للمرافق الاستشفائية العمومية، وإحداث صندوق وطني للاستثمار الاستشفائي لتحديث البنيات والتجهيزات والمنصات التقنية.

ومن بين أبرز المقترحات التي قدمها الأمين العام لحزب الاستقلال، إطلاق ما وصفه بـ”ثورة المستعجلات”، عبر إحداث منظومة وطنية موحدة للتدخل الطبي الاستعجالي تعتمد على رقم اتصال موحد، ومنصة رقمية آنية لتتبع الأسرة المتوفرة وسيارات الإسعاف والأطر الطبية المختصة، بما يضمن سرعة التدخل وإنقاذ الأرواح.

كما دعا إلى إحداث وكالة وطنية للمستعجلات الطبية تتولى وضع المعايير الوطنية الموحدة وتنسيق مختلف المتدخلين، مع تعزيز دور المجموعات الصحية الترابية في تدبير المستعجلات على المستوى الجهوي، واعتماد بروتوكول وطني موحد للفرز الطبي يحدد أولوية العلاج بناء على خطورة الحالات وليس وفق ترتيب الوصول.

وأكد بركة أن المغرب يحتاج أيضاً إلى تطوير طب المستعجلات كتخصص قائم الذات، مع إرساء مسارات مهنية خاصة بالأطباء والممرضين العاملين في هذا المجال، وتعزيز الإسعاف الطبي المتخصص والتطبيب عن بعد، والاستعانة بالمروحيات الصحية في المناطق الجبلية والنائية.

وفي ختام كلمته، اعتبر الأمين العام لحزب الاستقلال أن إصلاح المستشفى العمومي ليس مجرد إصلاح تقني أو إداري، بل هو خيار مجتمعي يعكس طبيعة الدولة التي يريدها المغاربة، مؤكداً أن الرهان بعد نجاح تعميم الحماية الصحية يتمثل اليوم في ضمان ولوج فعلي ومنصف إلى العلاج الجيد لكل المواطنين.

وختم بركة بالتأكيد على أن قوة الدولة تقاس بمدى شعور المواطن بحضورها إلى جانبه عند الحاجة، داعياً إلى جعل المستشفيات العمومية والجامعية فضاءات للتميز الطبي المغربي، بما يرسخ الثقة في المؤسسات ويعزز السيادة الصحية للمملكة.

زر الذهاب إلى الأعلى