الاتحاد الاشتراكي يكشف برنامجه الانتخابي .. التنمية العادلة في مواجهة الفوارق الاجتماعية والمجالية

احمد البوحساني
قدم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، برنامجه الانتخابي للاستحقاقات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر المقبل، تحت شعار «التنمية العادلة»، متضمناً 20 التزاماً في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومقترحات تستهدف تعزيز دولة الحق والقانون وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتحسين مستوى عيش المواطنين.
وخلال ندوة صحافية خصصت لتقديم البرنامج، أكد الكاتب الأول للحزب، إدريس لشكر، أن الوثيقة الانتخابية لا تمثل، بحسب تعبيره، «تجميعاً ظرفياً لمطالب متفرقة»، وإنما تعكس هوية الحزب القائمة على «الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي والديمقراطية المؤسساتية».
وقال لشكر إن هذه المرجعية هي نفسها التي حملها الاتحاد الاشتراكي منذ تأسيسه، مؤكداً أن الحزب يدخل الاستحقاقات المقبلة بالروح ذاتها، ولكن بأجوبة ومقترحات يعتبرها قابلة للتنفيذ لمواجهة التحديات المطروحة.
ووضع الاتحاد الاشتراكي حماية الحقوق والحريات في صلب برنامجه الانتخابي، حيث شدد لشكر على أن «لا تنمية بلا حريات، ولا استثمار بلا أمن قانوني، ولا ثقة بلا قضاء مستقل»، مؤكداً أن حزبه يريد «دولة الحق والقانون كاملة غير منقوصة».
وفي هذا السياق، يدعو البرنامج إلى تعزيز استقلال القضاء ونزاهته وتقريب العدالة من المواطنين، وضمان حرية الصحافة والتعبير والتنظيم والتظاهر السلمي، إلى جانب حماية المعطيات الشخصية والحياة الخاصة في ظل التحول الرقمي.
كما يشدد الحزب على ترسيخ المساواة أمام القانون، دون «استثناء أو حصانة بحكم الموقع أو النفوذ»، معتبراً أن الحريات ليست ترفاً يمكن تأجيله، وإنما شرط أساسي لتحقيق التنمية واستدامتها.
وتندرج هذه المقترحات ضمن ما يسميه الحزب «العقد الديمقراطي»، أحد المحاور الثلاثة الكبرى التي يقوم عليها البرنامج، إلى جانب «العقد الاقتصادي» و«العقد الاجتماعي».
وفي حديثه عن حصيلة الحزب في المعارضة، قال لشكر إن الاتحاد الاشتراكي مارس المعارضة باعتبارها «وظيفة دستورية ومسؤولية وطنية، لا منصة للرفض ولا متراساً للمزايدة».
وأضاف: «عارضنا حين كان الصمت تواطؤاً، ونبهنا حين كان التغاضي تقصيراً، واقترحنا كلما كان النقد في حاجة إلى بديل».
وأكد أن الحزب لا يتبنى خطاباً يقوم على اعتبار أن «كل شيء سيئ»، كما لا يقدم صورة مفادها أن «كل شيء بخير»، موضحاً أن الخطاب الأول يمثل تبخيساً لما راكمه المغرب، بينما يشكل الثاني إنكاراً لما يعيشه المواطنون.
وقال لشكر إن حزبه يقدم نفسه باعتباره «معارضة تبني جسراً مسؤولاً بين الإنصات والاقتراح والإنجاز»، مؤكداً أن السياسة، في تصور الاتحاد الاشتراكي، ليست مجرد تقنية للوصول إلى السلطة، وإنما «التزام أخلاقي تجاه المجتمع».
واختار الاتحاد الاشتراكي شعار «التنمية العادلة» عنواناً مركزياً لبرنامجه، انطلاقاً من تشخيص يعتبر أن المغرب حقق خلال السنوات الماضية إنجازات مهمة على مستوى البنيات التحتية والحفاظ على التوازنات وإطلاق أوراش اجتماعية، غير أن ثمار هذه الدينامية «لم تصل إلى الجميع بالقدر نفسه ولا بالسرعة نفسها».
وقال لشكر إن السؤال المطروح اليوم لم يعد فقط: «هل ننمو؟»، وإنما أصبح: «من ينمو معنا ومن بقي على الهامش؟».
ويقوم تصور الحزب للتنمية العادلة على تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وربط النمو بتحسين دخل المواطنين وجودة الخدمات الأساسية، مع اعتماد سياسات عمومية تستهدف تقليص الفوارق بدل تكريسها.
وفي هذا الإطار، يؤكد الحزب أن التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية يجب أن تكون حقوقاً فعلية قابلة للمطالبة، وأن قياس نجاح السياسات الاقتصادية ينبغي ألا يقتصر على المؤشرات الماكرو اقتصادية، بل أن يشمل أثر النمو على دخل المواطنين وفرص الشغل ومستوى الخدمات.
ويضم البرنامج الانتخابي للاتحاد الاشتراكي 20 التزاماً موزعة على عدد من المجالات، من بينها التشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، إضافة إلى الماء والطاقة والسيادة الاقتصادية والتحولات التكنولوجية والمناخية.
وفي المجال الاقتصادي، يقترح الحزب اعتماد مؤشرات جديدة لقياس أثر النمو، تشمل عدد مناصب الشغل التي يخلقها النمو، ومستوى الأجور، ونسبة الإنتاج الوطني ضمن الصادرات، ومدى استفادة المواطنين من الثروة المنتجة.
كما يقترح تخفيض العبء الضريبي على الأجر بنسبة 10 في المائة، مقابل تعبئة موارد إضافية من خلال توسيع الوعاء الضريبي، مع إخضاع الإعفاءات الضريبية لتقييم دوري وعلني يحدد كلفتها والمستفيدين منها والنتائج المحققة.
ويقترح الحزب كذلك توجيه الموارد التي يمكن توفيرها من إصلاح منظومة المقاصة نحو الأسر المحتاجة وقطاعي التعليم والصحة، بدل الاقتصار على استخدامها في تغطية عجز الميزانية.
وفي مجال الاستثمار، يدعو البرنامج إلى توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة والمبتكرة، خصوصاً الصناعات الغذائية والدوائية، وربط الدعم والإعفاءات العمومية بإحداث فرص الشغل، مع استهداف خلق أكثر من 200 ألف منصب شغل ورفع الدخل العام بنسبة 30 في المائة.
كما يتضمن البرنامج تخصيص 30 في المائة من الصفقات العمومية لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وإحداث بنك عمومي للاستثمار والتمويل والمواكبة.
ويولي الاتحاد الاشتراكي أهمية كبيرة للإصلاح المؤسساتي ومحاربة تضارب المصالح وتعزيز الشفافية، حيث يطرح ضمن التزاماته الفصل الصارم بين المسؤولية العمومية والمصالح الاقتصادية المرتبطة بها، واعتماد تصريح علني بالممتلكات قابل للتدقيق.
كما يقترح تعزيز استقلالية مجلس المنافسة وتمكينه من التدخل التلقائي ونشر قراراته، إلى جانب اعتماد شفافية كاملة في الصفقات العمومية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويرى لشكر أن التنمية العادلة تحتاج إلى مؤسسات متوازنة، محذراً مما وصفه بـ«التغول»، أياً كان مصدره أو مجاله أو موقعه.
وقال إن «الدولة القوية ليست دولة المؤسسة الواحدة، بل دولة المؤسسات المتوازنة والمتعاونة، التي يضبط بعضها بعضاً، ويخضع فيها القرار للقانون، والسلطة للمساءلة، والسياسة لمقياس خدمة الصالح العام».
وشدد على أن المغرب الصاعد، في تصور حزبه، «لن يُبنى بفاعلين أقوى من المؤسسات، بل بمؤسسات أقوى من الأشخاص والمصالح والظرفيات».
وفي مجال الإدارة والتحول الرقمي، يتعهد الحزب برقمنة 100 في المائة من المساطر ذات الأولوية، مع تقليص آجال الخدمات المستهدفة بنسبة لا تقل عن 70 في المائة، بهدف تبسيط الإجراءات وتقليص المسافة الزمنية بين المواطن والإدارة.
ويعتبر الحزب أن الإدارة الفعالة تشكل إحدى ركائز التنمية، وأن التحول الرقمي ينبغي أن يتحول من مجرد تحديث تقني إلى وسيلة لتحسين جودة الخدمات وتعزيز الشفافية وتقليص التعقيدات الإدارية.
وفي قطاع الماء والطاقة، يضع البرنامج هدفاً لتقليص هدر المياه في شبكات التوزيع، والذي يشير الحزب إلى أنه يتجاوز 40 في المائة، إلى جانب رفع حصة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة إلى 60 في المائة.
ويربط الاتحاد الاشتراكي هذه الإجراءات بمفهوم السيادة الاقتصادية وبضرورة الاستعداد للتحولات المناخية والطاقية التي تواجه المغرب.
ويؤكد الحزب أن التنمية العادلة لا تكتمل دون الإنصاف بين مختلف الفئات الاجتماعية والأجيال، واضعاً ضمن برنامجه مقترحات لفائدة الأطفال والشباب والنساء والمسنين والمتقاعدين والأشخاص في وضعية إعاقة.
وبالنسبة إلى المسنين والمتقاعدين، يقترح الحزب إجراءات للحفاظ على قدرتهم الشرائية وضمان ولوجهم الكريم إلى العلاج والرعاية والحماية الاجتماعية، إلى جانب إصلاح أنظمة التقاعد.
أما النساء، فيؤكد لشكر أن الاتحاد الاشتراكي يعتبرهن «مواطنات كاملات» وليس مجرد فئة تستحضر في الخطابات الانتخابية، داعياً إلى تعزيز تمكينهن الاقتصادي ومشاركتهن الفعلية في الحياة العامة وصناعة القرار.
كما يركز البرنامج بالنسبة إلى الشباب على التكوين والتشغيل ودعم المبادرة، فيما يولي الأطفال أهمية للتعليم الأولي والحماية، ويقترح ضمان الولوج الفعلي للأشخاص في وضعية إعاقة إلى المرافق والخدمات وفرص الشغل.
وفي ما يتعلق بكأس العالم 2030، يدعو الاتحاد الاشتراكي إلى تحويل الاستثمارات المرتبطة بهذه التظاهرة إلى رافعة للتنمية المحلية والاقتصادية، مع استهداف خلق 500 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، ورفع عائدات السياحة وتعزيز مشاركة المقاولات المغربية في المشاريع والصفقات المرتبطة بالحدث.
ويعتمد البرنامج، وفق عرضه، على تحديد أهداف ومؤشرات وآجال للتنفيذ، بما يسمح بتقييم أثر الالتزامات المقترحة على التشغيل والدخل وجودة الخدمات وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وختم لشكر بالتأكيد على أن المشاريع الكبرى تحتاج إلى «مؤسسات كبرى في كفاءتها ونزاهتها وقدرتها على الاستمرار»، وأن الاستثمار يحتاج إلى الأمن القانوني، والتنمية إلى إدارة فعالة، والاستقرار إلى عدالة اجتماعية.
وقال إن «المغرب الصاعد هو المغرب الذي لا يترك أحداً على هامش التقدم، ولا يجعل قوة الدولة بديلاً عن قوة المجتمع، بل يبنيهما معاً في إطار دستور فاعل ومؤسسات تحظى بالثقة».






