أخبار دوليةسلايدر

حين تُستعمل فلسطين لمحاكمة المغرب.. من يحاسب أصحاب المعايير المزدوجة؟

 

الدار/ إيمان العلوي

في كل مرة يقرر فيها المغرب أن يتحرك وفق حساباته السيادية ومصالحه الوطنية، تخرج أصوات لتضع المملكة في قفص الاتهام، وكأن الرباط مطالبة بالحصول على إذن مسبق قبل أن ترسم سياستها الخارجية. وحين يكون الموضوع متعلقاً بإسرائيل، يرتفع منسوب الخطاب الديني والسياسي إلى درجة توحي بأن المغرب وحده مطالب بتقديم كشف حساب عن علاقاته الدولية.

لكن السؤال الذي يبدو أكثر إلحاحاً اليوم ليس فقط: ماذا فعل المغرب؟ بل أيضاً: لماذا لا يُطرح السؤال نفسه على الجميع؟

إذا كان إقامة العلاقات مع إسرائيل أو تطويرها مرفوضاً من حيث المبدأ، فإن المنطق يقتضي تطبيق المعيار ذاته على كل الدول. وإذا كان التواصل مع إسرائيل يمكن أن يدخل في إطار المصالح الوطنية أو الوساطة أو إدارة الملفات الإقليمية، فإن هذا التبرير ينبغي أن يكون متاحاً للمغرب أيضاً، لا أن يتحول إلى امتياز سياسي تمنحه بعض الجهات لدول وتسلبه من أخرى.

تركيا، على سبيل المثال، تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ عقود، رغم أن مستوى العلاقات بين البلدين شهد تحولات حادة وتوتراً سياسياً في مراحل مختلفة. وقطر، رغم عدم إقامتها علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، حافظت على قنوات اتصال واستضافت لقاءات واتصالات مرتبطة بملفات فلسطينية وإقليمية، واضطلعت بأدوار وساطة معقدة.

هذه الوقائع لا تعني بالضرورة أن مواقف تلك الدول متطابقة مع الموقف المغربي، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول اتساق المعايير التي تُستخدم للحكم على سياسات الدول.

أما المغرب، فقد حافظ رسمياً على مواقفه المعلنة تجاه القضية الفلسطينية، بما في ذلك دعم حل الدولتين والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فيما يواصل الملك محمد السادس، بصفته رئيس لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، متابعة هذا الملف ضمن الإطار المؤسسي والدبلوماسي للمملكة.

ومن ثم، فإن اختزال السياسة الخارجية المغربية في علاقتها بإسرائيل يتجاهل جزءاً كبيراً من الصورة. فالرباط لا تتحرك في فراغ، بل ضمن منظومة واسعة من العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين وإفريقيا والعالم العربي، وتتعامل مع ملفات الأمن والاقتصاد والاستثمار والطاقة والدبلوماسية وفق حسابات استراتيجية متشابكة.

بل إن المفارقة تظهر بصورة أوضح عندما يُستخدم الخطاب الديني لمهاجمة المغرب، بينما تُترك ملفات أخرى أكثر ارتباطاً بالمصالح الجيوسياسية والصراعات الإقليمية خارج دائرة المساءلة نفسها.

وهنا يبرز ملف الصحراء المغربية باعتباره أحد أهم المفاتيح لفهم الحساسية المغربية تجاه الانتقائية في المواقف. فالرباط تعتبر وحدتها الترابية قضية وطنية مركزية، وترى أن بعض المواقف الإقليمية والدولية تجاه هذا الملف لا يمكن فصلها عن حسابات سياسية تتجاوز الخطاب المعلن.

لذلك، فإن مطالبة المغرب بالتخلي عن مصالحه أو خياراته الدبلوماسية باسم التضامن العربي أو الإسلامي لا يمكن أن تكون مقنعة ما لم تُطرح القواعد نفسها على جميع الدول، خصوصاً تلك التي تتخذ بدورها قرارات مرتبطة بمصالحها الوطنية حتى عندما تتعارض مع مواقف أطراف أخرى في المنطقة.

أما تحويل القضية الفلسطينية إلى معيار حصري للحكم على المغرب، فهو يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل الهدف فعلاً الدفاع عن فلسطين، أم أن فلسطين تُستخدم أحياناً كعنوان لمعارك سياسية أخرى؟

المغرب ليس دولة طارئة في التاريخ العربي والإسلامي حتى يحتاج إلى دروس في الانتماء أو الوطنية. فالدولة التي تمتد ذاكرتها السياسية إلى قرون، والتي ارتبط اسمها تاريخياً بالأندلس وبمعركة الزلاقة بقيادة يوسف بن تاشفين، تدرك أن العلاقات بين الدول لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالمصالح والسيادة والقدرة على إدارة التوازنات.

وهذا لا يعني أن السياسة المغربية فوق النقد. على العكس، من حق أي طرف أن يختلف مع الرباط، وأن ينتقد علاقاتها الدولية، وأن يناقش خياراتها الدبلوماسية. لكن النقد يصبح أكثر إقناعاً عندما يكون متسقاً، وعندما يستند إلى المعيار نفسه في التعامل مع الجميع.

فإذا كانت إقامة العلاقات مع إسرائيل جريمة سياسية في حالة المغرب، فلماذا لا يُطرح السؤال نفسه عندما تقيم دول أخرى علاقات دبلوماسية معها؟ وإذا كانت الاتصالات معها خيانة للقضية الفلسطينية، فكيف تُفسر الاتصالات والوساطات التي تقوم بها دول أخرى؟ وإذا كانت المصالح الوطنية تسمح لدولة ما بإدارة علاقتها بإسرائيل وفق حساباتها الخاصة، فلماذا يُحرم المغرب من الحق نفسه؟

القضية هنا ليست الدفاع عن إسرائيل، ولا تبرير كل قرار مغربي بصورة تلقائية، وإنما الدفاع عن مبدأ بسيط: السيادة لا تتجزأ، والمعايير لا ينبغي أن تتغير بحسب الدولة المستهدفة.

أما فلسطين، فهي أكبر من أن تتحول إلى أداة للمزايدات السياسية بين الدول. وأكبر من أن تُستخدم لتوزيع شهادات في الوطنية والدين، أو لتصفية حسابات إقليمية لا علاقة مباشرة لها بحقوق الشعب الفلسطيني.

المغرب يستطيع أن يختلف معه الآخرون، ويمكن أن تُناقش خياراته وتُنتقد، لكنه يملك، مثل أي دولة ذات سيادة، الحق في تحديد مصالحه وتحالفاته وأولوياته. وإذا كان هناك من يريد محاسبة الدول باسم فلسطين، فليبدأ بميزان واحد، وليضع الجميع أمام المعيار نفسه.

عندها فقط يصبح النقاش سياسياً حقيقياً، لا حملة انتقائية تُرفع فيها الشعارات عندما يكون المغرب هو المعني، ثم تُبحث للدول الأخرى عن ألف حجة ومبرر.

زر الذهاب إلى الأعلى