فن وثقافة

لمحات من تاريخ الأندلس.. الحلقة السابعة

الدار/ إعداد وترجمة حديفة الحجام

نهاية الخلافة وبداية التفرق (2)

بدأ اسم الحموديين يبرز في الأندلس وشؤونها منذ خلافة سليمان، حيث كان علي ابن حمدون أول خلفاء هذه السلالة. ومع أنه أظهر في البداية نوعا من الحياد عند التقرير في إدارة البربر، إلا أنه سرعان ما خلق طائفة من المنشقين. ومن الجدير بالذكر أن قرطبة في زمن علي كانت مدينة جواسيس وحرس، وكان جزء كبير من السكان يحتمي في ملاجئ تحت الأرض بسبب عدم الاستقرار الاجتماعي وتوالي الاجتياحات والاجتياحات المضادة، لقد كانت أياما صعبة لدرجة أنه جرى اغتيال علي في داخل قصره.

وطالب أهل قرطبة بتنصيب ابنه (حسب بعض المؤرخين) أو بتنصيب أخيه (حسب آخرين) القاسم. وقد حاول الثأر لموت علي واتخذ لذلك رُخصا مبالغا فيها. ويقال إنه كان حاكما جيدا –لم يبق هَبَاءً على رأس الخلافة لثلاثة أعوام– حيث أسقط بعض الضرائب على الأعيان وساهم في إحلال نوع من السلام في قرطبة، إلا ارتكب مع ذلك خطأ كبيرا تمثل في تأسيس جيشه أساسا من العبيد السود استقدمهم من شمال إفريقيا ممن كانوا يجهلون سياسة الخلافة وضغوطها. وبلغ السخط مداه لدرجة أن بنو زيري في غرناطة شقوا عصا الطاعة عن زعيمهم. وبدأت تتكون منذ تلك اللحظة بؤرة مقاومة للسلالة الجديدة، داعمة لبني أمية التي كان عبد الرحمن الرابع من يرفع رايتهم. لم يثبت المنشقون طويلا إذ سرعان ما قتل رجل بني أمية، عندها أحس الخليفة أن الملك لن يعود كما كان من قبل.

وكان يحيى، ابن أخ القاسم يرى نفسه الأحق بالعرش فهجم على المدينة وطرد عمه ونصب نفسه خليفة. ومع أنه حقق هدفه فإن نار الانتقام ظلت متوقد في صدره فبحث عن القاسم في إشبيلية ومالقة وحبسه فيها قبل أن يشنقه. وظل في تلك المدينة عدة سنوات.

وفي غمرة تلك الأحداث، كان أهل قرطبة مستعدين للتنازل على السلطة السياسية والإدارية المطلقة لشخص جديد ينحدر من بني أمية. ولتحقيق ذلك، أعلن ثلاثة مترشحين أسماءهم فاختير منهم عبد الرحمن الخامس. ولم تتجاوز مدة حكم الخليفة الجديد سبعة وأربعين يوما، حيث أدى صغر سنه وفراغ خزينة الدولة إلى حالة من السخط الشعبي نجم عنها اجتياح قصر الخلافة وتنصيب رجل قرطبة محمد الثالث الذي أمر على وجه السرعة باغتيال سلفه.

تميز الخليفة الجديد بالخلاعة والبذاءة وكان متقلبا الحال تبعا لما يجدّ له. ومع أنه كان غير كفئ في الجانب السياسي إلا أنه تجرأ على سجن ابن حزم. ومن عجائب الصدف أن يحيى، الخليفة الذي تنازل عن مهامه قبل ذلك بسنتين وظل في مالقة، أعلن رغبته في العودة إلى السلطة من جديد. وعندما علم محمد الثالث بذلك قرر الهروب إلى الشمال وهناك قتله خادم أمين لمجلسه الملكي.

وبعد تعيين يحيى خليفة من جديد (1025-1207) أرسل وزيرا إلى قرطبة ليمارس مهامه في تلك المدينة، لأنه لم يكن يروقه العيش بشكل مستمر هناك تحت تهديد خطر الموت. وبالفعل وجد ممثله في قرطبة نفسه في النهاية متورطا في ثورة أنهت حكم سلالة الحمودي وفتحت الباب على مرحلة من الفوضى دامت ستة أشهر.

نهاية حقبة. الخليفة الأخير: هشام الثالث

في سنة 1027، نُصّب هشام الثالث كآخر خليفة في قرطبة، وقد تعرض حكمه للتجاهل في أغلب التراب الأندلسي. فبينما هيمنت طوائف الصقالبة في الشرق، بدأ بنوا عباد في تأسيس دولتهم أيضا. وتردد حوالي سنتين قبل الدخول إلى قرطبة التي كان أهلها ينتظرون قدومه متحمسين وقد أعدوا العدة، لكن الخليفة ظهر ظهور المنهزم بزينة غير ملائمة وحاشية عليها أمارات الفقر والفاقة.

كان هشام الثالث في الخمسين من عمره ولم تكن له القدرة على إدارة مملكة بدرجة تعقيد مملكته، ما دفعه إلى التخلي عن جزء كبير من سلطته لوزيره الأول. هذا الأخير تميز بالتكبر وبالإسراف وسرعان ما كسب بغض البربر لما رأوا من ضعف الخليفة للسيطرة عليه، فما كان منهم إلا أن قرروا إلغاء الخلافة بعد أن اعتقدوا أن تلك أفضل طريقة للاستمرار.

وقرر شَهْوَرْ، رئيس مجلس هشام الثالث الملكي، استعمال رجل قليل الفطنة له كلمة مسموعة لدى البربر اسمه أمية بغرض تجميع أكبر قدر من الرجال لإحكام السيطرة على القصر. وقد مناه بالجلوس على العرش إن قدم له تلك المساعدة.

اندلعت الثورة الشعبية وقطع خلالها رأس وزير هشام الثالث وعرضت في المدينة على رأس رمح. وعندما هجم الجنود على القصر وجدوا أن هشام الثالث قد فر رفقة ابنته وثلاث من جواريه عن طريق مسلك يقود إلى محراب الجامع الكبير. وهناك أخبره شهود بنية المجلس إلغاء الخلافة ومنح الحرية للخليفة الأخير وعدم سفك دمه. أما أمية فطرد من المكان وهو يشعر بالغدر. وبهذا الحادث بدأت مرحلة الفوضى تحت نظام أوليغارشي سيطرت فيه الأقليات ردحا من الزمن. وما المواجهات التي اندلعت والطوائف التي تشكلت إلا الدليل الملموس عن واقع كان في حقيقة الأمر موجودا قبل ذلك بعدة سنوات.

وبخصوص آخر أيام هشام الثالث، يقول المؤرخون إنه كان يطلب العفو والمعرفة وبدا كشخص يجهل مستقبله القريب، غير أنه فر في النهاية إلى لاردة، حيث استضافه أحد معارفه وآواه إلى آخر أيامه، سبع سنوات بعد ذلك.

من الممكن الافتراض أن من عاشوا إلى سنة 1031 كانوا على وعي بانتهاء زمن الرخاء وبداية فترة دائمة من عدم الاستقرار، تحكمها التحالفات بين النصارى والمسلمين ضد مسلمين آخرين، في خضوع للنصارى ومنح الجزية لهم، مما أدى إلى تسريع تقدم القوات القشتالية والآراغونية نحو الجنوب. ولولا تدخل المرابطين لكان النصارى سلبوا الأندلس من أيدي المسلمين. وتلك حلقة أخرى لا بد من روايتها في وقت آخر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 + 18 =

زر الذهاب إلى الأعلى