الرأي

دروس التجربة الأسيوية في الإصلاح

عياد أبلال

  لا يخفى على المتتبعين للشؤون الدولية أن المغرب كان أفضل حالا من عدد من الدول الأوربية والأسيوية في سبعينيات القرن الماضي، ففي الثمانينيات كان أغنى خمس مرات من الصين، حيث كان متوسط العائد السنوي لكل ساكن 1075 دولار بالمغرب، مقابل 195 دولار بالصين، وكانت اسبانيا  مثلا، جارتنا القريبة، في مثل وضعنا التنموي، لكنها نجحت في غضون ثلاثة عقود في أن تتحول إلى بلد متقدم، وانتقلت الصين إلى ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، ومعها عدد من عمالقة آسيا من قبيل دول، لم يكن لك فقط موارد اقتصادية بتاتا، بله، ولم يكن لها صوت أصلا، كسنغافورة مثلا، فما الذي حدث؟، وما الذي يجعل بلدانا عربية، ومن بينها المغرب، عاجزة عن ولوج عصر الازدهار الاقتصادي والتكنولوجي، بالرغم من توفرها على عدد مهم من الموارد الطبيعية والبشرية على حد سواء، وهي موارد لم تكن تتوفر لليابان مثلا؟

إن قراءة عدد من تجارب الإصلاح بمنطقة آسيا، كفيل بإضاءة مساحات التخلف التي يعاني منه بلدنا، والتي تخفي عددا من العوامل الدالة والمسببة لهذا العجز الاقتصادي والسياسي، ولعلنا نجد في التربية والتعليم ومحاربة الفساد، والثورة الثقافية وقوة القانون أحد مداخل هذا الإصلاح العسير.

الصين ، الثورة الثقافية والاقتصادية، ومحاربة الفساد:

                 تنبهت الصين منذ وقت مبكر إلى أن الخروج من التخلف لن يتم إلا عبر بوابتين لا ثالث لهما، التعليم والتربية ومحاربة الفساد، ولذلك فإن الثورة التي حصلت على مستوى التعليم وربطه بالتكنولوجيا جعل الصين قوة علمية كبيرة، سرعان ما تحولت منذ حوالي عقدين من الزمن إلى قوة اقتصادية غير تقليدية، بعد أن ولجت قاعدة اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا، وهو ما ضمن لها قيادة وشعبا إرساء أسس صلبة لبناء مجتمع مختلف في تصوره للمستقبل، دون الانفصال عن ماضيه الموسوم بالمعاناة والاستعمار والحروب التي فرضت على منطقة آسيا في عمومها. من هنا، فلشعوب هذه المنطقة من العالم ذاكرة قوية، لم تنس ماضيها، كما لم تتناس ظلم المستعمر والمحتل البريطاني، بله، وكانت هذه الذاكرة خلفية مرجعية لتجاوز وضع التخلف والدونية، بعد أن أخذت العبرة من الصراع والحرب الأهلية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بين الكوميتناج (الحزب الوطني الصيني) والشيوعيين، وتحولت بذلك تايوان إلى قاعدة اقتصادية وصناعية كبيرة، قبل أن تتوحد جمهورية الصين الشعبية، واضعة نصب عينيها التخلص نهائيا من التخلف والتبعية، وما صراع السيادة بين بكين وتايوان اليوم سوى أحد أوجه التدخل الأجنبي بالمنطقة، وهو صراع حتما سيجد طريقه للحل في القريب، حسب المتتبعين للشأن الأسيوي.

وعت الصين مبكرا بفضل تقاليد هذا البلد الممتد عميقا في التاريخ، وبفضل التربية والتعليم، أن بناء الدولة لا يتم إلا عبر بوابة اقتصاد قوي يتأسس على قاعدة الإنتاج والعمل بما يحملان من قدسية في أعراف هذا الشعب النشيط للغاية، الذي يعتبر أن الريع تدنيسا لقيمة العمل ولقيمة الإنسان نفسه، قيم اشتدت مع الانتقال الديموقراطي الذي حصل في عقد من الزمن 1980-1990، بعد أن هيمن الحزب الوطني الصيني على مقاليد السلطة فترة الخمسينيات والستينيات، ومهد للإقلاع الاقتصادي في صيغته التقليدية من خلال استصلاح الأراضي الزراعية وتحديد قانون الملكية الفردية، لتدخل البلاد بفضل الثورة الكبيرة التي حصلت في التعليم  مرحلة ديموقراطية ابتدأت عقب أول انتخابات رئاسية في 1996،وهو ما ينطبق إلى حد ما على تجربة سنغافورة، وبالرغم من العراقيل والصعوبات الكبيرة، فالمرتبة التي بلغتها هذه الدول تشكل سقفا بات من الصعب جدا تصوره مغربيا، بله، عربيا لعدة اعتبارات لن تخرج حتما عن التربية والتعليم ومحاربة الفساد بما يرتبط به من قضاء قوي وعدالة اجتماعية.

ثورة التعليم بالصين أس وأساس الإصلاح:

                 عمليا بدأت ثورة التعليم في الصين الشعبية منذ الثمانينيات، الفترة التي كان المغرب أغنى منها خمس مرات، وهي الفترة التي سوف يدخل معها المغرب في سياسة التقويم الهيكلي التي ستمكن صندوق النقد الدولي من التحكم في سياسة البلد وسيادته على مجال التعليم، مثله في ذلك مجال الاقتصاد والتنمية، حيث ستركز الصين الشعبية على ضمان مجانية وإلزامية التعليم إلى حدود نهاية الثانوي، بما في ذلك توفير الكتب والمستلزمات الدراسية. وبعد أن كسبت رهان محو الأمية في حدود 2006، سوف تطلق في السنة الموالية خطة وطنية لجعل التعليم والبحث العلمي رهانا واستراتيجية وطنية بشكل ضاعفت من خلاله المنح الطلابية ثلاث مرات، ومنحت دعما إضافيا يقارب 30 مليار دولار لتجويد التعليم الإلزامي في المناطق الريفية.

أما على مستوى التعليم الجامعي، فيكفي أن نجد أزيد من عشر جامعات صينية تحتل المراتب الأولى في الترتيب العالمي لأفضل الجامعات، التي لا يمكن تصور وجودها في غياب الميزانية الضخمة التي تخصصها الصين للبحث العلمي بميزانية تجاوزت 400 مليار دولار، في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية ب 496 مليار دولار، خلال هذه السنة(2018) التي احتلت فيها الصين المرتبة الأولى عالميا على مستوى البحوث المنشورة عالميا.

إذا كان كل تقدم وازدهار يحتضن في جوفه المعاناة والحرمان، كما يحتضن المآسي والصراعات، فإن الحركات الاحتجاجية عبر التاريخ العالمي شكلت منفذا كبيرا، وبوابة نحو التغيير الإيجابي، حدث هذا في كل الدول التي عرفت ثورات دامية واعتقالات وسجون، مثلما حدث في أروبا وغيرها، بيد أن التجربة الصينية التي استفادت من ماضيها الأليم: الحرب الصينية اليابانية، الصراع الدامي بين الحزب الوطني والشيوعيين،…الخ، سوف تجد في احتجاجات الطلبة والمثقفين في 1989، التي طالبت بالديموقراطية والعلم ومحاربة الفساد، بالرغم مما شهدته هذه الاحتجاجات من متابعات واعتقالات، فرصة سانحة لتعيد السلطات ودوائر الحكم بهذا البلد الاشتراكي-الشيوعي النظر في سياساتها اللاشعبية لتتحول بسرعة منقطعة النظير  إلى قوة رأسمالية كبيرة منافسة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، حيث بدأت مسلسل الإصلاح من خلال الاستثمار في التربية والتعليم والتكنولوجيا، في تماس مواز لاجتثاث الفساد والمفسدين، من خلال تقوية أجهزة مكافحة الفساد. ولنا في حملات تنظيف المؤسسات من كل لصوص المال العام، ومن المستهترين بمصير الشعب ومدخراته، وهي تهم توازي الخيانة العظمى على المستوى الجنائي. ولا غرو إن وجدنا أن إعادة النظر في عدد من القوانين المرتبطة بالملكية الفردية والثروة تأسست عمليا وتشريعيا عقب هذه الاحتجاجات، بما يعني أن الاحتجاجات الشعبية بقدر ما هي محلال سوسيولوجي لتحليل أوضاع المجتمعات والدول، فهي فرصة تاريخية للإصلاح والتأسيس والتشييد، وليس العكس.

 

محاربة الفساد بالصين استراتيجية وطنية:

                تعد محاربة الفساد في الصين استراتيجية وطنية، تحظى بأهمية قصوى، وتعتمد على بيداغوجيا قبلية تتجلى في التوعية بعلاقة المسؤولية بالمحاسبة، بكل ما يقتضي ذلك من التنبيه لخطورة المآل، وهو ما يتجلى حسب «الهيئة المركزية للانضباط والتفتيش»، وهي مؤسسة رسمية مهمتها محاربة الفساد والرقابة على الاغتناء غير المشروع، في تنظم هذه الهيئة زيارات للمسؤولين الجدد مرفقين بزوجاتهم للسجون في حوار وجلسات استماع مع المسؤولين السجناء الذي حُكِموا بعقوبات سجنية بسبب الفساد، حتى يتبينوا مصيرهم، إن زاغت أيديهم للمال العام. هذه البيداغوجيا التي تعد استراتيجية توعوية وتأطيرية للمسؤولين وباقي عموم الشعب لا تنفصل عن استراتيجية بعدية قضائية شديدة الصلابة، تتجلى في عدم التسامح والتهاون مع الفساد مهما كانت درجته، وفي ذلك لا فرق بين رشاوى واختلاسات، ولا بين عدم الانضباط أو الشطط في استعمال المنصب، وهي الاستراتيجية التي اعتمدها الرئيس الصيني شي جين بينغ منذ 2012، فمنذ هذا التاريخ، وحسب مختلف وكالات الأنباء العالمية، تمت محاكمة أزيد من مليون مسؤول صيني من مختلف الرتب والوظائف الصغيرة منها والسامية على حد سواء. ويكفي أن السلطات قد عاقبت أزيد من 970 مسؤولا رفيعا بتهمة تبديد أموال كانت مخصصة لحملة مكافحة الفقر والتهميش في القرى الصينية سنة 2016، دون تميز بين المنتمين للحزب الحاكم أو الموظفين الحكوميين أو عموم الشعب، إذ حينما يتعلق الأمر بالفساد، فإن كل الخطوط والدوائر تتلاشى لصالح الصين الوطن والشعب.

اليابان من التخلف إلى الازدهار الاقتصادي والتكنولوجي:

               قبل هذا التاريخ بكثير، شكلت حكومة الميجي في اليابان نموذجا للإصلاح، إذ سوف يسن هذا البلد قوانين جد متقدمة لمحاربة الإقطاع والإقطاعية والطبقية، والتخلي عن كل الأعراف والتقاليد الماضوية التي تكبل المجتمع الياباني، ومن بينها المنح والأعطيات والريع التي كان يتلقاه البعض بشكل امتيازي مثل الساموراي الذين سيتحولون بعد ذلك إلى مهن التعليم والصناعة والإدارة.  هكذا ومنذ 1868، سوف تتجه اليابان بعد توحيد حدودها الجغرافية، وبسط هيمنتها السيادية على كافة أقاليمها، إلى تطبيق رؤيتها الاستراتيجية للإصلاح الذي شمل التربية والتعليم والعلوم، الحقوق، والنظام السياسي، وبعد أن استعانت في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن التاسع عشر بخبراء ومهندسين استقدمتهم من عدد من الدول الغربية، مثل بريطانيا وفرنسا، والذين تجاوز عددهم أربعة ألف كفاءة علمية، سوف تتحول اليابان بعد قرن من الزمن إلى مصدر للتنظير العلمي والتكنولوجي والكفاءات، بله، وتحولت الآن إلى كوكب فريد من نوعه، حسب التوصيف الكوني لهذا البلد الذي عرف بفضل التعليم والتكنولوجيا مستويات غير مسبوقة من الاختراع والابتكار.

وما كان لليابان أن يصل إلى ما وصل إليه، حسب خبراء الشفافية المالية والحكامة، لولا صرامة مؤسساته القضائية، وخاصة تلك المتعلقة بالجرائم الاقتصادية، وعلى رأسها الفساد الإداري والمالي، مما جعله رائدا عالميا في محاربة الفساد، الذي أصبحت له منصات إلكترونية للتبليغ عن المفسدين، وفتح تحقيقات مباشرة شديدة الصرامة، حيث تعتبر عدم الانضباط للقوانين والمراسيم الإدارية نوعا من الفساد يجب محاربته. أما الاختلاسات والاغتناء غير المشروع فهي تهم تعني مباشرة السجن ونهاية المشوار المهني للمعني بالأمر. إنه بلد الضبط والانضباط الإداري والمؤسساتي.

سنغافورة، ثورة التعليم وصرامة القانون في محاربة الفساد:

في سياق آخر، تعتبر تجربة سنغافورة نموذجا يحتذى به في دور التعليم وصرامة القانون في تشييد بلد قوي ومزدهر، إذ يكفي أن نعرف أن هذا البلد الصغير حجما وكثافة، والذي لا يملك موارد طبيعية، ظل مغرقا في الفقر والتهميش لمدة طويلة بعد خروج المستعمر البريطاني من جنوب شرق آسيا بعد أن خلف وراءه فوضى وفسادا جعل سنغافورة بلدا تسوده البطالة والفقر والجرائم، بله، لقد كانت من أخطر مناطق العالم، ويكفي أن نعلم أن زعيم ومؤسس الدولة "لي كوان يو" بكى حين قررت ماليزيا الانفصال والتخلي عن جزيرة سنغافورة في 1965، التي كانت تابعة لها وتشكل عبئا اقتصاديا وسياسيا عليها. فهذا البلد الذي كان يستورد حتى المياه من ماليزيا، دون موارد اقتصادية تذكر، سوف يسن عددا من القوانين الصارمة التي حارب من خلالها الفساد عبر العقوبات الزجرية النافذة.

لقد راهن "لي كوان يو" منذ بداية ترأسه للدولة على أن يغير وجه سنغافورة عبر ثورة في التعليم، معتبرا كما تعكس ذلك كل خطاباته، أن الثروة الحقيقية تكمن في المواطن السنغافوري، ولذلك أحدث زلزالا حقيقيا في مناهج التربية والتعليم والتكوين، مستفيدا من البعثات العلمية بالخارج، ومن كفاءات بلاده بالبلدان الغربية التي عمل بفضل استراتيجية استثمارية على عودتها واستثمارها ببلدها، وفي ظل ثلاث عقود فقط، أصبح هذا البلد أحد أكبر الوجهات العلمية والتكنولوجية وأهم الاقتصاديات في العالم.

منذ إعلان قانون محاربة الفساد في نهاية الستينيات وصرامة تطبيقه، والذي يعني ضمن ما يعنيه إجبار المفسدين على إرجاع الأموال المنهوبة، وقضاء عقوبة تراها المحكمة مناسبة لحجم الفساد المقترف، وسنغافورة تعمل على تعديله في اتجاه مزيد من التشديد والرقابة والشفافية، حيث تحول اليوم هذا البلد الذي كان مرتعا للفساد والجريمة إلى أفضل عشر دول في محاربة الفساد بحسب تقارير منظمة الشفافية العالمية.

على سبيل الختم:

إن إعادة النظر في السياسات الحكومية لا يستقيم إلا بالاستناد على مؤشر توزيع الثروة والعمل بشكل يجعل مفهوم الحركة والمجهود مؤشرا يتم الارتكاز عليه لتقييم السياسات العمومية، وبذلك، فإن أي سوء وخلل في توزيع الثروات يكون مرتبطا بالفساد الإداري والمالي والسياسي، حيث يتحول الفساد إلى عامل إضعاف وهدم للدولة ومواردها الطبيعية والبشرية على حد سواء، وهو ما يصيب التنمية بالشلل ويعيق أي مجهود في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي ويجعل من ثم، كل الموارد والثروات في يد أقلية من المنتفعين، مما يستحيل معه لا جلب استثمارات، ولا تحقيق اقلاع اقتصادي، حيث مرد كل الإصلاحات إلى الفشل، حتى يتحول الإصلاح نفسه إلى سن قوانين جديدة لتحصين الفساد نفسه. ولذلك فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة ربطا شديد القوة والصلابة وفق دولة الحق، هو الحل الوحيد للإصلاح الذي لا يمكن تصوره أصلا بدون ثورة في التربية والتعليم، كما مر معنا في تجارب بعض بلدان آسيا.

في الأخير لا نملك، مغربيا، سوى أن نطرح أسئلة، من قبيل:

ما جدوى سياسة:  "عفا الله عما سلف" في التعامل مع قضايا الفساد والمفسدين؟

وما جدوى تقارير المجلس الأعلى للحسابات التي شملت الصحة، التعليم، الفلاحة، الجماعات المنتخبة….إلخ في غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة ربطا يتم عبر القضاء ؟

وكيف يمكن بناء مفهوم جديد للإصلاح، وصياغة نموذج اقتصادي وتنموي جديد دون جعل التعليم والبحث العلمي استراتيجية وطنية كبرى، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وسيادة القانون. أسئلة من ضمن أخرى، لعلنا نجد لها أجوبة في التجارب التي أتينا باختصار على ذكرها للعبرة والاعتبار، فتأملوا يا أولي الألباب لعلكم تفلحون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى