الدين والحياة

صناعة الإسلاموية الحلقة 2: كل إسلامي يفضل الشريعة على القانون المدني هو ضحية للبؤس الاجتماعي

الدار: حكيم القروي (ترجمة حديفة الحجام)

قبل الغوص في الموضوع، أعتقد أنه يجب أن أقول كلمة بخصوص التأويلات التي هزت العالم الصغير للمتخصصين في الدراسات الإسلامية وفي الشأن الديني سنة 2015 وبعدها، على إثر الهجمات التي ألبست فرنسا وأوروبا ثوب الحداد.

وغالبا ما يجري تصوير الظاهرة الإسلاموية على أنها نتيجة لمأساة اجتماعية واقتصادية ولتخلي الدولة عن الضواحي (فرحاد خورسوخافار) ولشكل من أشكال العدمية وجدت دعامة لها في إرادة التطرف (أطروحة يدافع عنها أوليفيي روا). بينما يرى فيها آخرون تطرفا للإسلام (أطروحة يدافع عنها جيل كيبيل) أو حتى رد فعل للمسلمين على تدخلات الغرب الاستعماري والإمبريالي. كل هذه التأويلات عادلة ولا يمكن تجاهلها أبدا.

نحن نرى مع ذلك، وهذا العمل يهدف كذلك إلى كشف هذا الأمر، أن كل هذه التأويلات تعاني من خلل كبير: فهي متأثرة بالمركزية الغربية وترى الغرب معيارا لقياس أي شيء. ويُعتقد أن الغرب لعب دورا مركزيا في تطوير ونشر الإسلاموية، إذ يُتهم بأنه أتى بالفوضى إلى الشرق وأساء معاملة المسلمين هناك، وعجز منذ نهاية الشيوعية عن إخراج أفكار تنشر الانتهاك والتطرف أو مجرد مسرح لتطرف إسلامي لم يكن ليخفى عن أي ملاحظ للحالة الأوربية. وتبعا لهذه للإطار، كل إسلامي يفضل الشريعة على القانون المدني هو بلا شك جانح أو شخص ضحية البؤس الاجتماعي. لماذا لا يمكن ببساطة تخيل أنه يضع فكره في إطار غير غربي؟

ويوضح هذا العمل قدرة الإيديولوجية الإسلاموية، سيما تمكين الفكر الإسلامي وفكر مراكز إنتاجه ونشره. وللتفكّر في الظاهرة يجب القيام بحركة إيبيستيمولوجية كبيرة وفهم ما قاله فرانتز فانون: "أنا لست عبدا لعبودية سلبت آبائي إنسانيتهم". ماذا تعني هذه الجملة؟ تعني أن الأفراد بإمكانهم في وقت من الأوقات الإفلات من عقال النظرة التحديدية، حتى وإن خرجوا من رحم أكثر الأشخاص تعرضا للهيمنة، وهم العبيد. وليس كل المسلمين جرت السيطرة عليهم، وليس كل المسلمين حرّكهم حقل الإكراهات الجاثمة فوق صدورهم، وليس كل المسلمين عبيدا، ولو أنهم ضحايا لأشكال مختلفة من التمييز في كل من فرنسا وأوروبا، دون أن ننسى كون الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ساهمت في الفوضى التي يعيشها العالم العربي، وهو أمر مثبت. وأفضل دليل على هذا الكلام نجده في آسيا، حيث تعيش أغلبية مسلمي العالم إما في ديمقراطيات (إندونيسيا) أو في دول إسلامية (باكستان) أو في أقليات (الهند) أو في أغلبية (البنغلادش). وهم يعتقدون أنهم يفكرون بأنفسهم وبأن التطورات الإيديولوجية والدينية في البلدان الإسلامية تجد تفسيراتها في ظواهر مستقلة عن الغرب.

ويرجع السبب في مركزية الغرب إلى النظر إلى الإسلاميين على أنهم مجرد أطفال، ونفي أي قوة أو جدية فكرية عن خطاباتهم. هل كان بالإمكان الحديث عن النازيين بوصفهم ضحايا الأزمة الاقتصادية وتجارا مفلسين دون الالتفات إلى محتوى الخطابات والعنصرية المفرطة وإبادة اليهود؟ نفس الشيء ينطبق على الإسلاميين الذين يعتنقون هذه الإيديولوجية بسبب قوة روايتها.

إن النظر إلى الإسلاموية كما لو كانت من فعل أفراد "تغربوا" بطريقة سيئة، ومن الواجب التكفل بهم، يلتحق بخطابات دول العالم الثالث التي كانت ترى في الغرب مصدر كل الشرور، خاصة وأنه المنتصر لذا حرص على التآمر لفرض إرادته. ومن جهة أخرى، هناك تاريخ وقيم ليس للغرب أي يد في تطورها. وعلى هذا الأساس بالضبط يجب معالجة الظاهرة الإسلاموية بنفس الألفاظ التي تصف بها نفسها، عوض وصفها بظاهرة عارضة على هامش عالم تهيمن عليه بالضرورة القيم الغربية. إن القدوم المحتوم للديمقراطية ولتحرير التبادلات كأساس لأي تنمية اقتصادية لا يعدو كونه مجرد أسطورة، على غرار وجود مجتمع مسلم اختاره الله لتأسيس مدينة فاضلة تحرم فيها الإغراءات والرذيلة والجريمة. الخطاب الإسلامي ليس أقل جدية من الخطاب من الغربي إذا.

ضمن أي سياق يندرج هذا التطور؟ هو يندرج ضمن حركية كبيرة لتغريب العالم، انطلقت في سنوات 2000، حينما كان الغرب ما زال يعتقد بأن نهاية "التاريخ" ستقود العالم نحو الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية، وفي وقت بدأت فيه الصين تظهر كقوة جديدة (انضمت إلى منظمة التجارة العالمية). ومن المفارقة العجيبة هو وصول 11 من شتنبر 2001 ليؤكد أكثر على مركزية الغرب وقوته المهيمنة المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن 11 من شتنبر لم يكن إلا لحظة من لحظات تكون جهادية ما فتئت تتحول إلى طوباوية الدولة الإسلامية الطاهرة الكاملة والدموية بطبيعة الحال.

هذا التحول يوجد في ذهاب الإنسان وإيابه، وما تاريخ الإسلاموية إلا نتيجة للتحركات والهجرات والانطلاقات، فالأفكار تنتقل مع أرجل حامليها. ومع ظهور "الدولة الإسلامية"، غيرت الهجرات من الشرق إلى الغرب، ومن العالم العربي نحو أوروبا، ومن شمال إفريقيا نحو فرنسا وأوروبا، من اتجاهها. ويكشف المؤرخ غابريال مارتينيز غرو كيف أننا لاحظنا مؤخرا هجرات من دول أوربية إلى سوريا بغرض الالتحاق بصفوف "داعش". ومع أن هذه الظاهرة تظل هامشية –أغلب الفيالق الأجنبية في "داعش" أتت من منطقة المغارب والشام والعربية السعودية– إلا إنها تمثل تحولا طفيفا في مسارات الهجرة. ويصعب على الغرب الذي اعتاد أن يمثل أرض الهجرة أن يستوعب وجود مراجع حضارية أخرى وروايات أخرى تفسر العالم عدا رواياته هو. فبعد أن ظل موضع إعجاب منذ القرن التاسع عشر، ها هو الغرب الآن أو فئة قليلة من أعضائه، بدأ يتهاوى أمام سحر ذلك الشرق الإسلامي الطاهر والشرير الذي تحاول "داعش" ان تجسده.

وبعد انغلاق قوس الاستعمار الذي سهر على جعل الإسلام في حدود المجال الروحاني فحسب، أصبحت الرواية الإسلامية بهذه الطريقة موضة. ويحاول الإسلاميون اليوم إعادة مجد الإمبراطورية الإسلامية والدفاع عن مصالح الإسلام أينما كانت. وعلى هذا الأساس، يرى مارتينيز أن داعش هاجمت باريس بسبب انحلال أخلاقها والعلمانية المفرطة فيها وبسبب حرية الصحافة التي ترخص انتهاك الحرمات وخصوصا قصف سوريا والعراق، دون الإشارة إلى الماضي الاستعماري أو إلى البؤس الاجتماعي والاقتصادي الذي يشير إليه السلفيون. باختصار، يستهدف هذا الهجوم قيم الغرب وسياساته. إن "داعش" لا تحارب بسبب انعدام المساواة في التعامل مع المسلمين، وإنما هي تحارب مشروعا بديلا عن مشروعها. ولا حتى من أجل تحسين المشروع الغربي ولا الجمهورية الفرنسية. وعلى هذا الأساس، تحاول الإسلاموية إعادة إحياء أحد أكبر الروايات الحضارية في الألفية الأخيرة، إنها الرواية الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى