مال وأعمال

الخمور بالمغرب: جدل الحلال والحرام

p.p1 {margin: 0.0px 0.0px 0.0px 0.0px; text-align: right; font: 18.0px ‘Geeza Pro’}
p.p2 {margin: 0.0px 0.0px 0.0px 0.0px; text-align: right; font: 18.0px Times; min-height: 23.0px}
span.s1 {font: 18.0px Times}
span.s2 {text-decoration: underline}
span.s3 {font: 18.0px Times; text-decoration: underline}

الدار/ فاطمة الزهراء أوعزوز

 

الخمور، السجائر، الجعة أو البيرة، كلها عناصر تحتل مكانة أساسية في اقتصاد المغرب، كونها تدر مجموعة من الأرباح التي تضخ الانتعاش في السوق المغربية، غير أن السؤال الذي يثار في هذا الصدد، هو ذاك الانشغال الذي يتأرجح بين الأخلاق والاقتصاد، فهل القيمة الربحية التي يحققها الخمر على سبيل المثال تعتبر مبررا لخرق الأخلاق الداعي لها الإسلام، خصوصا وأن المغرب يعد دولة إسلامية، الأمر الذي يثير مجموعة من التساؤلات.

 

تحرص الحكومة المغربية على الاستفادة من المداخيل التي تدرها هذه المنتجات، خصوصا الضرائب التي تؤديها الحانات الليلية والتي يعد الخمر زادها الأساسي الذي تستقطب به الزبناء، ومن ثم فإن الإقبال الذي يسجله هذا المنتج يعد مكسبا بالنسبة للحكومة والدولة المغربية التي تستفيد بدورها من العائدات المرتبطة بالضرائب المؤداة والمستحقات القانونية المسجلة في هذا السياق.

 

الخمور مورد اقتصاديولا حدود بين الحلال والحرام

تشير التقارير إلى أن 140 دولار هي القيمة التي تبلغها الضرائب كحد أدنى، ومن ثم فإن استهلاك هذه المنتجات خصوصا المشروبات الكحولية منها يعتبر موردا اقتصاديا مهما تلجأ إليه الدولة لتحقيق نوعا من التوازن في عجز الميزانية بدل الاستدانة من الدول الأخرى، وبالرغم من كون السنوات الأخيرة شهدت الرفع من أثمنة الخمور بنسبة 50 بالمائة إلا أن هذه الزيادة لم تحدث أي تغيير يذكر، خصوصا وأن العديد من الفئات المغربية لا تقيم حدودا صارمة بين الحلال والحرام فيما يخص المشروبات الكحولية، الأمر الذي يجعل المغرب يصطف إلى جانب الدول الأكثر تسامحا مع التعاطي للكحوليات، غير آبهين بموقف الدين منها، والدليل هو النموذج الذي يؤدي صلاة الجماعة بالمسجد ويعتكف في الحانات ليلا حيث يستوي لديه الأمرين معا.

 

الخمرمكسب اقتصادي لمواجهة العجز التجاري

حسب دراسة نشرتها رويترز، فإن المغرب يعتبر ثاني بلد منتج للخمور على صعيد دول العالم العربي، فضلا عن كونه ينتج العديد من الأنواع الكحولية التي لا تقتصر على صنف واحد، أما بخصوص الإستهلاك فنسبة مهمة منها تستهلك على الصعيد المحلي، بينما النسب الأخرى تصدر إلى مختلف دول العالم العربي وكذلك الأوربي.

وتعتبر الظروف الجغرافية وكذلك المناخية عاملا مساعدا على صناعة الخمور، الأمر الذي يعتبر مكسبا حيويا بالنسبة للمغرب على المستوى الاقتصادي، خصوصا وأنه يدر مداخيل مالية يتم توظيفها في أفق تجاوز العجز الذي يطال الميزان التجاري، ومن ثم يتم اعتماد هذه المنتجات بدل اللجوء إلى الاقتراض الذي يثقل كاهل الدولة.

وطبقا للدراسات التي تصب في هذا الاتجاه، فإن إنتاج الخمور لا يعتبر أمرا حديثا إنما هو قديم ومتواجد في المجتمع المغربي منذ الأزل، وارتبط باستقرار الفنيقيين في المغرب خصوصا في مدينة طنجة الذين شرعوا حينها في غرس العنب الذي يعتبر بمثابة المادة الخامة في إنتاج الخمور، حيث استحسن السكان الأمازيغ هذه الزراعة التي اعتبروها مربحة بالنظر للمداخيل المالية التي تمكنوا من تحقيقها في ظرفية زمنية وجيزة.

 

إنتاج الخمور بالمغربتجارة قديمة

ورغم أن القرآن الكريم يضم مجموعة من الآيات التي تحدد موقف الإسلام من الخمور، لم تتغير نسب الإقبال عليه، خصوصا وأن معتنقي الإسلام أيضا كانوا يتعاطون لهذه المشروبات الكحولية، كما هو الشأن في الظرفية الحالية حيث يسود نوع من النفاق الذي يسميه الباحثون النفاق الاجتماعي، والازدواجية الملحوظة من خلال الالتزام بالشعائر الدينية وفي الوقت نفسه التعاطي لهذه المشروبات، ومن ثم يمكن القول أنه لا حلال أو حرام في التعامل مع هذه المشروبات اليوم بالمغرب.

في إحدى الروايات المرشحة أكثر للتصديق، يذكر أن تواجد اليهود بالمغرب خصوصا بحي الملاح بالمدينة القديمة في العديد من المناطق المغربية، كانت النواة الأولى التي أرست لتجارة الخمور بالمغرب، خصوصا وأن ازدهار هذا الصنف من الخمور كان مرتبطا بقدوم اليهود للمغرب وبالذات طنجة، مراكش، فاس وكذلك الرباط وهو الأمر الذي مهد لتقنين هذه التجارة مع دخول الأوربيين الذين أرسوا الترسانة القانونية لإنشاء الحانات والترخيص لها للعمل.

غير أن السؤال المثار في هذا الصدد، لا يرتبط بالحضارات المتعاقبة على المغرب، والتي شكلت البوابة الرئيسية التي نفذت من خلالها تجارة الخمور، إنما يرتبط بعلاقة المسلمين خصوصا المغاربة منهم  بالخمور، التي لا تشكل قضية أخلاقية أو دينية حيث تنتفي العديد من الأحكام والتعاليم الدينية، التي يتم إسنادها حينئذ للأحاديث الكاذبة أو الضعيفة، ومن هذا المنطلق تتعدد المداخلات والقراءات التي تقدم تفسيرا دينيا واقتصاديا للموضوع.

 

الكتاني: مدمن الكحول يدفع تكلفة الخسارة الاجتماعية والاقتصادية

يقول عمر الكتاني الباحث في الاقتصاد في تصريح خاص لـ"الدار" أن استهلاك الخمور في المغرب يشهد ارتفاعا كبيرا، مشيرا أن هذا التضخم في الاستهلاك ينتج عن ارتفاع التكلفة على مستويات أخرى، خصوصا المرتبطة منها بالتغطية الصحية نتيجة التعرض للعديد من الأمراض التي تترتب عن الإدمان، إلى جانب ارتفاع نسب حوادث السير التي تكون بمثابة النتاج الفعلي لإدمان الكحول وغيرها من المواد المخدرة الأخرى، ومن ثم  فالانعكاسات السلبية التي تتولد عقب هذه الآفة.

ويشير الكتاني، إلى أن الخسائر الكبرى التي يتم تسجيلها تخص الجانب الأخلاقي، خصوصا وأن الخمر تعتبر واحدة من أخطر الآفات المؤدية إلى الانحلال الأخلاقي بفعل التساهل في الكثير من الجوانب، موضحا أنه بغض النظر عن التكلفة المالية التي يتحمل صاحبها عناء أدائها للحصول على هذه المنتجات، تنضاف التكلفة الإجتماعية من خلال بروز الأسر المشردة، والأطفال ضحايا الهدر المدرسي، الأمر الذي اعتبره مدعاة أساسية لإدراج مواد تربوية تفي بالغرض التوعوي في المؤسسات التعليمية، خصوصا وأن التعاطي للمخدرات والمشروبات الكحولية يعتبر آفة متجذرة تستقي وجودها بدءا من المؤسسات التعليمية.

وأكد الباحث أن ارتفاع نسب التعاطي للكحوليات يعتبر المدعاة الأساسية لتبني مجموعة من المناهج التربوية الجديدة، الكفيلة بتحصين الناشئة من الانحلال والتطرف الذي يكون بمثابة انعكاس فعلي لإدمان الخمور خصوصا في سن مبكرة، الأمر الذي يزيد الوضع تعقيدا.

 

أبو حفص : "التدين والخمور حالة طبية وليس ازدواجا"

من جهته يضيف الباحث في الفكر الإسلامي عبدالوهاب رفيقي، في تصريح خاص لـ"الدار"، أن استهلاك الخمور في المغرب لا يعتبر نوعا من النفاق أو الازدواجية، بل هو حالة طبيعية بحكم الرغبة في تحقيق نوعا من الإشباع للحاجيات الذاتية والغرائز البشرية التي تعتبر أمرا طبيعيا، معتبرا أن جميع الأفراد في باقي الديانات الأخرى يعيشون هذا الصراع الداخلي، الذي يتأرجح بين الرغبة في الاستجابة للميولات والغرائز الذاتية، وبين حدود الامتثال للأحكام الدينية.

وأضاف في السياق ذاته، أنه وفي جميع الدول لا توجد نسخة لشخص مبدئي ومتكامل من حيث الامتثال الكلي للمناهج الدينية، الأمر الذي يدفع رفيقي إلى التأكيد على أن الجمع بين التدين والتعاطي للخمور لا يشكل نفاقا ولا ازدواجية خصوصا وأن الإنسان الطبيعي لا يمكن أن يتجنب الاستجابة للغرائز والشهوات التي تجتاحه بين الحين والآخر.

وشدد المتحدث على أن مفهوم التدين شامل، لا يقتصر فقط على شرب الخمر أو الامتناع عنه، بل يشمل تجنب النميمة والغيبة وأكل أموال الناس ظلما وعدوانا، معتبرا هذه المبادئ مركزية وأساسية لاستفياء الشروط الأساسية في التدين، في الحين الذي يظل فيه الخمر حرية شخصية وحالة طبيعية لا تناقض الفطرة التي جبل عليها بني آدم.

أما عن موقف الدين الإسلامي من التعاطي للخمور، فيؤكد رفيقي أن الموقف الوارد الذي حظي بإجماع من الفقهاء هو المنع والتحريم، غير أن المجال ظل مفتوحا لمجموعة من الاجتهادات التي فتحت الباب بمصراعيه لأكثر من قراءة، البعض يفيد التحريم في حين تفيد قراءات واجتهادات أخرى أن الخمر مباح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى