المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية

في خضم التحولات العميقة التي يشهدها النظام التجاري العالمي، وفي ظل توسع رقعة القيود الجمركية التي تنهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يبرز المغرب كحالة إستثنائية في التعاطي مع هذه الموجة الحمائية الجديدة. فقد قررت الإدارة الأمريكية فرض رسوم جمركية مرتفعة بنسب متفاوتة على عدد كبير من الدول، في ما اعتبر تحولا جذريا قد يعصف بالأسس التقليدية للسياسات التجارية الدولية، ويقلب “براديغمات” إستقرت لعقود، مما يهدد بخلق إضطرابات واسعة في الأسواق العالمية،ويثير مخاوف عميقة لدى المستثمرين، والمستهلكين على حد سواء.
فعلى خلاف ما ذهب إليه بعض المحللين الإقتصاديين من كون هذه السياسة تمثل إخلالا باتفاقية التبادل الحر الموقعة بين واشنطن والرباط، فإن العلاقات المغربية الأمريكية تتجاوز منطق المعاملة التجارية البحتة، وتحكمها أبعاد تاريخية وإستراتيجية عميقة. فالمغرب، البلد الذي كان أول من إعترف بإستقلال الولايات المتحدة سنة 1776، هو كذلك أول من وقع معها اتفاقية صداقة وملاحة وتجارة سنة 1786. ومنذ ذلك الحين، لم تنقطع جسور التعاون بين البلدين، بل تعززت أكثر من خلال اتفاقيات متتالية، بدءا من إتفاقية إطار التعاون للتجارة والاستثمار سنة 1995، مرورا بتأسيس المجلس المغربي الأمريكي للتجارة والإستثمار سنة 2000، وصولا إلى توقيع إتفاقية التبادل الحر لسنة 2004، والتي شملت إثني عشر قطاعا حيويا، من الفلاحة إلى البيئة، ومن النسيج إلى حقوق الملكية الفكرية.
وفي ذات السياق، تجدر الإشارة إلى أن الرسوم الجمركية المفروضة على المغرب من قبل إدارة ترامب لم تتجاوز 10%، وهي نسبة تعد الأدنى مقارنة بما فرض على دول الجوار، كـتونس (28%)، الجزائر (30%)، وليبيا (31%). هذه المعاملة التفضيلية تعزى، دون شك، إلى الموقع الاستراتيجي الذي يحتله المغرب في السياسة الخارجية الأمريكية، باعتباره حليفا محوريا في شمال إفريقيا، والبلد الوحيد في القارة الإفريقية والعالم العربي الذي يمتلك إتفاق تبادل حر مع الولايات المتحدة.
وإذا كانت هذه النسبة الجمركية قد أثارت بعض القلق، فإنها في الواقع لا تمثل تهديدا حقيقيا للتعاون الاقتصادي القائم، بل تشكل دافعا إضافيا لتعزيز العلاقات التجارية. ففي السنوات الأخيرة، تجاوز حجم المبادلات التجارية بين البلدين سقف ستة مليارات دولار، وهي نسبة مرشحة للارتفاع في ظل تراجع قدرة دول أخرى على الصمود أمام الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضت عليها، مما يفتح أمام المغرب فرصة لتعزيز حضوره في السوق الأمريكية.
ومن جهة أخرى، يطرح التساؤل حول الكيفية التي ستتعاطى بها الشركات المستثمرة في قطاع السيارات في المغرب، لا سيما مع هذا المستجد، بالنظر إلى كون هذا القطاع يشكل أحد ركائز السياسة الحمائية الأمريكية الجديدة. لكن المغرب، بحكم موقعه كمنصة إستراتيجية للتجارة نحو إفريقيا، وما يتمتع به من إستقرار تشريعي ومؤسساتي، يبقى مؤهلا لجذب المزيد من الإستثمارات، خصوصا في ظل إحتفاظه بنسبة تفضيلية تقل كثيرا عن المعدلات المفروضة على باقي الدول.
ختاما ، إن ما وصفه ترامب بـ”يوم التحرير الاقتصادي”، والذي جاء كرد فعل على ما إعتبره إستغلالا غير متوازن لإتفاقيات تحرير التجارة، قد لا يحمل بالضرورة آثارا سلبية على المغرب، بل على العكس، قد يمنحه فرصة لإعادة تثبيت موقعه كشريك تجاري موثوق ومتميز. وستظل إتفاقية التبادل الحر بين الرباط وواشنطن الإطار المرجعي لهذا التعاون، الذي يتجاوز ظرفية السياسات الحمائية المؤقتة، نحو شراكة استراتيجية راسخة في الزمان والمصالح المشتركة.
ذ/ الحسين بكار السباعي
محام مقبول لدى محكمة النقض
باحث في الهجرة وحقوق الإنسان
النائب الأول لرئيس المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية.