حين يغيب الموقف الواحد في زمن الانفعالات

بقلم: كلثوم ادبوفراض
في ظل الغزارة الموضوعاتية وتعدّد الإشكالات المطروحة بقضايا المجتمع، السياسة، الرياضة أو أي مجال مرتبط بالفرد والبيئة المحيطة به، أصبح التعبير عن الرأي تجاه أي مستجدّ أو غريب سهلاً ويسيراً، حيث ما إن تطفو على سطح المنصات الإجتماعية قضية شائكة أو حدث يشغل الشارع العام المغربي، حتى تجد الكل يفتح كاميرته ويبدأ بالإيلام المجاني لأشخاص ما أو للعوامل المساهمة في الواقعة كيفما كانت، أوأياً من كان مكوّن من مكوناتها، سعياً منه بمشاركة رأيه الصريح وهو بكامل قواه العقلية دون ضغط أو تدخلات خارجية، لكن يتخلل ذلك أحيانا عدم الاكتراث بانعكاسات رأيه على الجماعة التي ينتمي إليها أو على المؤسسات.
ومما لا شكّ فيه، أن حرية التعبير حقّ معنوي مكفول للجميع، لكن يبقى الضبط الذاتي واجباً يؤطر الحدود المسموح بها في النقاش والخوض في نقاطه، دون تجريح أو مسّ بكرامة الغير أو التشهير به، وكأنه وصيّ عليه يمنح لنفسه حقّ إسداء النصيحة، وإصدار الأحكام في أي موقف، في اعتقاده مالكاً عصا سحرية لتنظيم الواقع والسيطرة عليه.
وبالتالي، أنتجت هذه السلوكيات غير المحسوبة ظاهرة نفسية لاواعية، تمثلت في غياب “الموقف الواحد”.
حيث نجد أغلب من يسلك هذا الاتجاه متذبذباً في آرائه، اليوم منجرفاً وراء قضية إنسانية أصلية، وغداً معارضاً لها متخذاً أموراً جانبية لا تمتّ للنقاش الأصلي بصلة، بينما فئة أخرى تشاهد مقطعاً من حادثة معينة دون الإلمام بالتفاصيل الكاملة، أو حتى تكليف نفسها عناء البحث وجمع المعلومات حول مختلف جوانب المسألة وأبعادها المخفية.
بعد ذلك، يهرع إلى الهاتف، لفتح البث “المباشر” أو توثيق فيديو، متخبطاً في الحديث بين إقدام وإحجام، مندفعاً بعوامل انفعالية خالية من المنطق والتعقّل، في نهاية المطاف يصبح الكل يفهم في كل شيء، ويدّعي المعرفة فيما لا خبرة له فيه.
ومن ثمّ، ما إن تتضح الصورة الكاملة والصحيحة من جهة موثوقة، أو يتلفّح بنيران الانتقادات اللاذعة في زاوية الرسائل أو التعليقات، حتى يعود في فيديو جديد، وكأنه شخص آخر، برأي مختلف تماماً، ما يزرع الشكوك لدى المتلقي إلى حدّ العجز عن التمييز بين من يقول الحقيقة ومن يدّعيها.
هذا الأمر، يخلق لدينا مقدار كبير من “أزمة الثقة” تجاه أي شخص، حتى لو كان حسابه موثّقاً من إدارة منصة التواصل، أو كان معروفاً بآرائه النزيهة سابقاً، أو يشغل مهنة أو صفة اجتماعية لا تسمح له بالإفراط في أي كلام اعتباطي.
نتيجة لذلك، لم تعد خاصية “الموقف الواحد والوجه الواحد” مفعّلة في زمننا الراهن، وهي سمة المتمسّكين بقضية ثابثة والدفاع عنها حتى الرمق الأخير، بل استُبدلت بقصور التفكير الجدلي، الذي من المفترض أن يفكر ويناقش بناءً على حقائق ووقائع ملموسة، تحتكم بالأساس على العزل والفصل عند إبداء الرأي في الأمور كما هي، دون فلترة أو تجميل أو مبالغة، بعيداً عن ضغط أو تأثير أو تأثر.
هذا التناقض الداخلي والظاهرِ أمامنا، كآلية نفسية يمكن أن يكون نتاجاً لشعور الفرد بالحاجة إلى القبول الإجتماعي، أو الحاجة المفرطة لإثبات الجدارة أمام الآخرين، لدرجة يفقد معها الشخص قيمته وهويته الذاتية وبصمته الخاصة في التفكير دون وعيٍ منه، ليغدو عبداً للضرورة، أسيراً للاعتباط وراضخاً لغوائل الكلام الذي سيعجب الناس، ولو لم يعجبه أو يتوافق مع مبادئه الجوهرية.
فالتمسك بالموقف الواحد والاصرار على الرأي الثابت، دون تنميق أو تزييف، هو عنصر كاشف لشخصية البشر، الصافية قلوبهم والمنطقية عقولهم، الذين يختارون الحفاظ على قيمتهم الإنسانية دون تبخيس. فهؤلاء لا تشعرأنهم يفرضون هيمنة رأيهم عليك لتؤمن به، بل يدفعونك للبحث أكثر عن الحقيقة، وتؤمن بها بنفسك دون الشعور بضغط من كلماته المغرية.






