
الدار/ إيمان العلوي
في سياق التوترات التي شهدتها بعض الملاعب الوطنية مؤخرًا، خاصة خلال مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي بمركب الأمير مولاي عبد الله، خرجت العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية ببلاغ يحمل دلالات قوية على توجه جديد أكثر صرامة في تدبير المباريات والحد من مظاهر الانفلات الجماهيري.
البلاغ، الذي جاء عقب اجتماع موسع يوم 1 ماي 2026 بمشاركة مختلف المتدخلين في منظومة كرة القدم الوطنية، لم يكتفِ بتشخيص الوضع، بل انتقل مباشرة إلى إعلان إجراءات عملية ذات طابع وقائي وزجري في الآن نفسه. في مقدمة هذه التدابير، تقرر منع تخصيص مدرجات أو فضاءات لجماهير الفريق الضيف، إضافة إلى وقف طرح التذاكر الموجهة لأنصار الفرق الزائرة، ثم منع تنقل الجماهير خارج قواعدها خلال المرحلة المقبلة.
هذه القرارات تعكس تحولًا واضحًا في فلسفة التدبير، من مقاربة تعتمد التعايش بين الجماهير إلى نهج يقوم على تقليص الاحتكاك المباشر، وهو خيار قد يبدو صارمًا لكنه يجد مبرراته في تصاعد حوادث الشغب التي باتت تهدد سلامة المتفرجين واللاعبين على حد سواء.
تحليليًا، يمكن قراءة هذه الخطوة في ثلاثة مستويات مترابطة. أولًا، هناك البعد الأمني، حيث تسعى الجهات المشرفة إلى استباق أي انفلات محتمل عبر تقليص عوامل التوتر داخل المدرجات، خاصة في المباريات ذات الحساسية العالية. ثانيًا، البعد التنظيمي، إذ أن ضبط عملية بيع التذاكر وتنقل الجماهير يشكل مدخلًا أساسيًا لإعادة هيكلة تجربة حضور المباريات. أما ثالثًا، فهو البعد الرمزي، حيث تحاول العصبة إعادة فرض هيبة المنافسات الكروية وصورتها كفضاء حضاري قائم على الروح الرياضية.
غير أن هذه الإجراءات، رغم وجاهتها الأمنية، تطرح تساؤلات مشروعة حول تأثيرها على أجواء المباريات، التي طالما شكلت الجماهير الزائرة جزءًا من رونقها وتوازنها. كما يفتح القرار نقاشًا أوسع حول ضرورة معالجة جذور الظاهرة، بدل الاكتفاء بحلول ظرفية، من خلال الاستثمار في التأطير والتوعية وتعزيز دور الأندية في تأطير أنصارها.
وفي ختام بلاغها، شددت العصبة على أهمية انخراط جميع الفاعلين، من أندية وجماهير وسلطات، في إنجاح هذه المرحلة، مؤكدة أن الهدف ليس فقط ضمان السير العادي للمنافسات، بل أيضًا ترسيخ صورة مشرفة لكرة القدم الوطنية تعكس مكانتها المتنامية إقليميًا ودوليًا.
يبدو أن كرة القدم المغربية تدخل مرحلة اختبار حقيقي بين ضرورات الأمن ومتطلبات الفرجة، في انتظار أن تفرز هذه الإجراءات توازنًا جديدًا يعيد الثقة إلى الملاعب دون أن يفقدها روحها.






