فرنسا تودع برناديت شيراك.. أيقونة السياسة والعمل الخيري ترحل عن 93 عاماً

الدار/ مريم حفياني
ودّعت فرنسا إحدى أبرز الشخصيات النسائية التي طبعت الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد خلال العقود الأخيرة، بعد وفاة برناديت شيراك عن عمر ناهز 93 عاماً، لتُسدل الستار على مسيرة استثنائية ارتبطت بتاريخ الجمهورية الفرنسية الحديثة وبأحد أشهر الأزواج السياسيين في أوروبا.
ورغم أن اسمها ظل لسنوات طويلة مرتبطاً بزوجها الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك، فإن برناديت لم تكن مجرد زوجة لرئيس سابق أو سيدة أولى عابرة في قصر الإليزيه، بل نجحت في بناء شخصية سياسية مستقلة فرضت حضورها داخل المشهد العام الفرنسي، مستفيدة من شخصية قوية وحضور لافت جعلها من أكثر النساء تأثيراً في محيط السلطة بفرنسا.

ولدت برناديت شودرون دو كورسيل سنة 1933 في عائلة فرنسية عريقة، قبل أن تلتقي خلال دراستها الشاب جاك شيراك الذي كان يشق طريقه نحو عالم السياسة. ومنذ زواجهما سنة 1956، تحولت إلى رفيقة دربه في مختلف المحطات السياسية، من بداياته داخل الإدارة الفرنسية إلى وصوله إلى رئاسة الجمهورية سنة 1995، ثم مغادرته قصر الإليزيه سنة 2007.
لكن برناديت رفضت أن تبقى في الظل، فاختارت خوض العمل السياسي بنفسها، وتمكنت من الفوز بمقعد منتخب في إقليم كوريز الذي شكل المعقل الانتخابي لعائلة شيراك. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، احتفظت بحضورها السياسي المحلي، لتصبح من أوائل السيدات الأوليات في فرنسا اللواتي نجحن في الجمع بين الدور البروتوكولي والمسؤولية السياسية المنتخبة.

واكتسبت الراحلة شعبية واسعة خارج المجال السياسي بفضل انخراطها المكثف في العمل الإنساني والخيري، خاصة من خلال قيادتها لحملة “القطع النقدية الصفراء”، التي تحولت إلى واحدة من أشهر المبادرات التضامنية في فرنسا، وأسهمت في جمع ملايين اليوروهات لفائدة المستشفيات ومصالح طب الأطفال. وقد ارتبط اسمها بهذه المبادرة إلى درجة أن كثيراً من الفرنسيين رأوا فيها رمزاً للتضامن الاجتماعي والعمل التطوعي أكثر من كونها شخصية سياسية.
وعاشت برناديت شيراك مختلف التحولات التي شهدتها فرنسا خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، وكانت شاهدة على صعود وسقوط حكومات ورؤساء وأحزاب، فيما حافظت على مكانتها الخاصة داخل الرأي العام الفرنسي بفضل صراحتها المعروفة وشخصيتها القوية التي لم تتردد في التعبير عن آرائها حتى عندما كانت تثير الجدل.

كما واجهت خلال حياتها لحظات مؤلمة، أبرزها وفاة ابنتها لورانس شيراك بعد معاناة طويلة مع المرض، وهي الفاجعة التي تركت أثراً عميقاً في حياتها العائلية، قبل أن تعيش سنواتها الأخيرة بعيداً عن الأضواء بعد رحيل زوجها الرئيس جاك شيراك سنة 2019.
ومع إعلان وفاتها، استحضرت الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية صورة امرأة رافقت واحداً من أهم الرؤساء في تاريخ فرنسا المعاصر، لكنها استطاعت في الوقت نفسه أن تترك بصمتها الخاصة وأن تبني إرثاً مستقلاً في مجالي السياسة والعمل الإنساني. وبرحيلها، لا تفقد فرنسا فقط أرملة رئيس سابق، بل تطوي صفحة شخصية نسائية استثنائية ظلت لعقود جزءاً من ذاكرة الفرنسيين ومن المشهد السياسي والاجتماعي للجمهورية الخامسة.







