
الدار/ مريم حفياني
لم يكن حضور البرتغالي جواو بيدرو ساكرامنتو داخل الطاقم التقني للمنتخب المغربي مجرد محطة جديدة في مسيرة مدرب جاب أكبر الملاعب الأوروبية، بل تحول مع مرور الوقت إلى قصة ارتباط إنساني وعاطفي ببلد وجد فيه أكثر من فريق وطني. فمنذ انضمامه إلى الطاقم الذي يقوده الناخب الوطني محمد وهبي، بدا واضحاً أن الرجل لا يتعامل مع مهمته بمنطق الوظيفة، وإنما بروح الشريك المؤمن بمشروع كروي يحمل هوية شعب بأكمله.
ولعل أكثر ما لفت انتباه الجماهير المغربية هو تلك العبارات التي خرجت من القلب قبل أن تكون تصريحات إعلامية. فعندما قال: “إن تمثيل منتخب يملك تاريخاً وهوية وجماهير تعيش كرة القدم بشغف… هو شرف ومسؤولية كبيرة”، لم يكن يقدم خطاباً بروتوكولياً، بل كان يصف بإحساس صادق ما اكتشفه داخل المغرب، حيث تتحول كرة القدم إلى لغة مشتركة بين ملايين المغاربة، وإلى رمز للوحدة والانتماء.
وفي تصريح آخر اختزل ساكرامنتو فلسفته تجاه الكرة المغربية بكلمات بسيطة لكنها عميقة الدلالة: “في المغرب… كرة القدم ليست مجرد لعبة… إنها جزء من الهوية.” وهي عبارة لاقت تفاعلاً واسعاً، لأنها عبرت بدقة عن المكانة التي يحتلها المنتخب الوطني في وجدان المغاربة، خاصة بعد الإنجازات التاريخية التي جعلت “أسود الأطلس” مصدر فخر داخل المملكة وخارجها.
ولم تكن تلك الكلمات معزولة عن الواقع، إذ إن مقاطع الفيديو التي وثقت مباريات المنتخب المغربي في كأس العالم والاستحقاقات الأخيرة رسمت صورة مختلفة عن المدرب البرتغالي. فقد ظهر في كل لقطة متفاعلاً مع كل هجمة، متوتراً مع كل فرصة، محتفلاً بجنون مع كل هدف، ومندفعاً بعاطفة صادقة مع كل انتصار، وكأنه واحد من أبناء هذا البلد الذين تربوا على عشق القميص الوطني. ولم يكن يخفي تأثره بالنتائج أو حماسه على دكة البدلاء، وهو ما جعل الجماهير ترى فيه مدرباً يعيش تفاصيل المنتخب بقلب مغربي، رغم أن جذوره تمتد إلى البرتغال.
وراء هذا الجانب العاطفي، يقف اسم صنع مكانته في كرة القدم الأوروبية بفضل الكفاءة والعمل. فساكرامنتو يعد من أبرز المدربين المساعدين في جيله، بعدما راكم تجربة غنية في عدة بطولات كبرى، واشتغل إلى جانب المدرب الشهير جوزيه مورينيو في محطات بارزة مع توتنهام الإنجليزي وروما الإيطالي، كما خاض تجارب مع ليل الفرنسي وواتفورد الإنجليزي، واكتسب سمعة مميزة في مجال التحليل الفني والإعداد التكتيكي وتطوير الأداء الجماعي.
ويعرف عن المدرب البرتغالي شغفه الكبير بالتفاصيل، واعتماده على أحدث أساليب التحليل والقراءة التقنية للمباريات، وهي خصال جعلته يحظى بثقة كبار المدربين في أوروبا، قبل أن يختار خوض تجربة جديدة داخل المشروع الكروي المغربي الذي بات يحظى باحترام عالمي بعد القفزة النوعية التي حققها خلال السنوات الأخيرة.
ومع تولي محمد وهبي قيادة المنتخب الوطني، أصبح ساكرامنتو أحد أهم عناصر الطاقم التقني، ليس فقط لما يمتلكه من خبرة دولية، ولكن أيضاً لقدرته على الاندماج السريع داخل المجموعة، وبناء علاقة قوية مع اللاعبين، والمساهمة في نقل ثقافة الاحتراف الأوروبية إلى منتخب يطمح إلى مواصلة كتابة التاريخ قارياً وعالمياً.
ولعل ما يميز جواو بيدرو ساكرامنتو عن كثير من المدربين الأجانب هو أنه لم يكتف بالعمل داخل حدود الملعب، بل نجح في بناء علاقة وجدانية مع المغرب نفسه. فقد فهم سريعاً أن تمثيل المنتخب المغربي لا يعني الإشراف على فريق لكرة القدم فقط، وإنما الانتماء إلى أمة ترى في قميصها الوطني رمزاً للكرامة والاعتزاز، وتعيش كل مباراة بمزيج من الأمل والفخر والمسؤولية.
وهكذا، أصبح المدرب البرتغالي، الذي صنع اسمه في أوروبا، واحداً من أكثر الوجوه الأجنبية قرباً من قلوب الجماهير المغربية، بعدما أثبت أن الانتماء الحقيقي لا تصنعه الجنسية وحدها، بل تصنعه المشاعر الصادقة، والاحترام، والإيمان بقيمة الشعار الذي تدافع عنه. وبين خبرة الملاعب الأوروبية وعشق المغرب، يواصل جواو بيدرو ساكرامنتو كتابة فصول قصة استثنائية، عنوانها أن بعض الأوطان لا تحتاج إلى شهادة ميلاد حتى تسكن القلب.






