الرأي

صلاح بوسريف يكتب لـ”الدار” عن مُدُنٌ بَوادٍ

د. صلاح بوسريف

اختلط علينا الأمر، ولم نَعُد نعرف أين نُقيم. ظنَّنا أننا أهل مَدَر، فإذا بنا أهل وَبَر، أهل بادية لا مدينة، بل نحن لا أهل بادية ولا نحن أهل مدينة، لأن المكان حيث نُقِيم، هو في تعريفه المجالي والجغرافي مدينة، لكنه في واقعة بادية، أو ما يوحي ببعض مظاهر البادية، حيث كل شيء فيها صار خارج السياق المديني، بما تعنيه المدينة من قوانين وشرائع، وما تعنيه من تنظيم، ومن مؤسسات وبنيات اجتماعية ثقافية، ومن مظاهر تحديث وعَصْرَنَة. بتنا مثل «الرَّجُل المُعلَّق» عند ابن سينا، فلا نحن من هنا، ولا نحن هناك، التبس علينا الأمر، وصارت المدينة بادية، وانتشرت مظاهر الوبر في فضاءات الحاضرة والحضر، بتعبير ابن خلدون.

ما الذي جعل المدن تتهاوى وتتساقط كورق التُّوت!؟

فأنا حين أزور بعض مدن الغرب، أجد نفسي في مدينةٍ، بالشروط التي تضمن للمدينة سياقها الثقافي والحضاري، ويجعلها غير الريف، أو غير البادية، لأن البادية، هناك، لها ميزاتُها، تحضى، هي الأخرى، بما يكفي من اهتمام، بما يجعل أهلها مُسْتقرِّين فيها، والمدن عندهم، هي فضاءات للتَّنَرُّه، وقضاء عُطَل وتسوُّق، وبعض ما يحتاجونه من أمور ضرورية، لا توجد عندهم في البوادي.

الدار البيضاء، باعتبارها مدينة اقتصاد ومال، وهي أكبر مدن المغرب، وفيها معامل وشركات كبرى، وميناءها هو أحد شرايين الاقتصاد المغربي، وأحد شرايين التسويق والتصدير، لم تعد لها ملامح واضحة، بل إنها صارت بلا هوية، كل شيء فيها ارْتَبَك، والطُّرقات فيها هي مكان حرب لا تهدأ، منذ أن تشرع السيارات والشاحنات في الدوران، إلى أن ينام خلق الله فيها ملء جفونهم. أزبال في كل مكان، وطُرُق وفضاءات عامة مُحْتَلَّة، أنا الذي أؤدِّي الضريبة السنوية على استعمالي للطريق، لا يُسْمَح لي بالمرور من بعض هذه الطُّرُق، بل من عدد منها، مما بات سوقاً، بما تعنيه كلمة سوق من فوضى، واحتلال للملك العام، وأوساخ وأزبال وضجيج، وغياب شروط السلامة والصِّحَّة، في ما يروج في هذه العشوائيات من سلع وبضائع، ومواد غذائية، تُباع دون حسيب ولا رقيب.

المدينة عمَّتْ فيها الفوضى، ولم يعُد من احْتلُّوها يكتفون بالأزقة والأحياء الجانبية، بل خرجوا إلى العَلَن، واحْتلُّوا شوارع كبرى، مثل شارع محمد السادس، طريق مديونة سابقاً، بداية من مفترق شارع الفداء إلى حدود درب كارلوطي، غير بعيد من القصر الملكي بمنطقة الأحباس. ناهيك عن فوضى أصحاب الطاكسيات، الذين لهم قوانينهم الخاصة في التوقف، وفي استعمال الطرق، وفي اختلاق محطات في أماكن هم من اختاروها بالقوة، والمعنيون بتدبير وإدارة المدينة، كأنهم لا يعرفون ما يجري، أو هم، بالأحرى، يتغاضون، لأسباب انتخابوية، هي ما أجَّج ما تعرفها مدينة الدار البيضاء، وغيرها من المدن، من فساد وفُقْدان للهوية، بل للمعنى المديني الثقافي والحضاري.

لم أتكلَّم عن مدن الهامش، ورغبتُ في الحديث عن مدينة الدار البيضاء، حتَّى لا ندَّعِي أن بَدْوَنَة المدن، ارتبطت بالمدن الهامشية التي تفتقر لشروط العيش والحياة، فالمصيبة عَمّتْ، لذلك هانتْ، ما جعل الإهانة تطالنا جميعاً، الهامش ازداد هامشية، وتفاقمت هامشيته، وهو ما سمَّاه الشاعر الراحل عبدالله راجع، بـ «»المدن السفلى»، وما كان «مراكز»، هو أيضاً بدا صورة كبرى لهذه «السَّفَالة» التي لا أعرف كيف ينام من يقبل بها في حياتنا، وفي مدننا، وفي بلدنا، لأنَّ شأن البشر والحجر، أعني العُمْران، لا يمكن الاستهانة به إلى الحد الذي يجعل من القَيِّمِين عليه من أحزاب وجماعات، وحتَّى جمعيات، ومسؤولين على السلطة، يقبلون بهذه البشاعة التي عمَّتْ كل شيء في مدننا، وأفسدت علينا ما كُنَّا نعتبره بعض بُقع الضوء في ما أحاط بنا من عَتْمَة وسواد.

حين أكون في بعض مدن الشمال، في واجهاتها، أشعر بمعنى المدينة، وأنا هنا لا أتحدث عن الأطراف، وحين أكون في مدينة الرباط، أرى كيف أنها مدينة فيها اهتمام، وأحس بأنني في مدينة، رغم مواطن الخلل الكثيرة التي ما تزال موجودة فيها، أما حين أكون في مدينة الدار البيضاء، فأنا أتألم لِما كانت عليه، ولِما آل إليه وضعها الكارثي، خصوصاً في وسط المدينة، وفي الساحات التي كانت في الماضي نظيفة، هادئة، جميلة، وقضينا فيها أوقاتاً جميلة، لكنها اليوم، استحالت إلى ساحات للصخب والضوضاء والضجيج، والتَّلوُّث البَصَرِيّ، ولكل أشكال التَّسيُّب التي جرَّتِ المدينةَ بِرُمَّتِها إلى أن تصير بادية كبيرة، رغم ما فيها من مقاه، وفنادق، وأماكن للتسوُّق، ومتنزَّهات، فهذا كلُّه، عُمْران آلَ إلى خراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

15 + عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى