فن وثقافة

حوار مع أهم مفكري العصر.. يوفال نوح هراري مؤلف كتاب “الإنسان الإله…”

ترجمة: حديفة الحجام

يوفال نوح هراري مؤرخ إسرائيلي ألف كتابين من الكتب الأكثر مبيعا في العالم هما "الإنسان الحديث، مختصر تاريخ البشرية" الذي سلك فيه المؤلف مسار تاريخ الإنسان الأول؛ ثم كتاب "الإنسان الإله، مختصر تاريخ المستقبل" الذي تأمل فيه مستقبل النوع البشري. أما كتابه الجديد "21 درسا من القرن الحادي والعشرين" فيمثل سبرا للمشاكل التي تواجهنا في حاضرنا.

 

س. وأنت تتمتع الآن بنجاح كبير بصفته مثقفا، ماذا غيّر الاعتراف الدولي في شخصيتك؟

ج. لم يعد لدي الكثير من الوقت، وأجدني دائم السفر عبر جهات العالم الأربع، متنقلا من محاضرة إلى محاضرة ومن مقابلة صحفية إلى أخرى، مكررا ما أعتقد أني أعلمه سلفا، وهو ما يترك لي القليل من الوقت للبحث عن أمور جديدة. فقبل عدة سنوات خلت، كنت أستاذ تاريخ مجهول متخصص في التاريخ الوسيط ولم يكن عدد جمهوري ممن يقرأ مقالاتي يتجاوز خمسة أفراد موزعين على الكرة الأرضية. صراحة إنه لأمر صادم كيف أني اليوم أكتب شيئا ما وهناك ملايين من الناس تقريبا ستجلس لقراءته. عدا ذلك أنا أشعر بسعادة غامرة مع كل ما حدث لي. ليست العبرة في الحديث بصوت مرتفع، بل العبرة في وجود من يصغي إليك. إنه لشرف عظيم أن يكون لي جمهور على هذا النحو.

س. كيف تتوصل إلى اختيار القضايا المهمة في عصرنا ومعالجتها؟

ج. في الحقيقة كان تأليف هذا الكتاب سهلا للغاية لأنه سبق وكُتِبَ في أثناء نقاشاتي مع جمهوري. أما فيما يخص محتواه فقد فكرنا فيه مليا واخترناه بناء على الأسئلة التي طرحت علي في المقابلات الصحفية وفي لقاءاتي العامة. الكتابين السابقين عُنيا بماضي الإنسانية الغابر وبمستقبلها البعيد، لكن ليس بإمكانك العيش في الماضي أو الحاضر، كل ما تستطيع فعله هو العيش في الحاضر. ما أهمية هذه الأفكار البعيدة المدى إن كنت لا تستطيع الاستعانة بها وتقول شيئا بخصوص أزمة الهجرة أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي أو الأخبار الكاذبة؟

س. هل تعتقد أن الناس يفهمون تداعيات الثورات التي هي طريقها الآن للحدوث في مجالات التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلوميات؟

ج. قبل خمسة أعوام كان مفهوم الذكاء الاصطناعي شبيها بالخيال العلمي، لدرجة أن المهتمين بالحقول الأكاديمية والاقتصادية كانوا حذرين بخصوص إمكانياته على الأقل، أما في خطابات الأوساط السياسية والعامة فبالكاد كنت تسمع شيئا عنه. وبعد ذلك انتبه عدد محدود من الحكومات لما يحدث حولها. وانطباعي الشخصي هو أن الصينيين هم أول من انتبه لما كان يحصل على الأرض. وأعتقد أن ذلك راجع إلى الصدمة الوطنية التي أصابتهم منذ الثورة الصناعية، حينما فاتهم القطار وبقوا في المؤخرة، مما سبب لهم ذلك في الكثير من المعاناة. سيفعلون أي شيء كي يكونوا في مقدمة ثورة الذكاء الاصطناعي. الأوروبيون والأمريكيون انتبهوا هم كذلك للأمر منذ عام تقريبا. ونحن الآن أمام سباق شامل نحو التسلح بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يمثل خبرا سيئا للغاية.

س. لماذا تهدد "البيانات الضخمة" (Big data) الليبرالية بشكل من الأشكال؟

ج. الليبرالية تنبني على فرضية أن لك شرف الولوج إلى عالمك الداخلي الخاص المكون من أفكارك ومشاعرك وخياراتك، ولا أحد في الخارج يستطيع أن يفهم إطلاقا. وهذا هو السبب في أن مشاعرك هي أسمى سلطة في حياته، وحتى في مجال السياسية والاقتصادي –صاحب الصوت في الانتخابات هو الذي يعرف بطريقة أفضل، والزبون دائما على صواب. ومع أن العلوم العصبية توضح لنا أنه لا يوجد شيء اسمه الإرادة الحرة، فإن لها على الأرض الواقع معنى معينا ما دام أنه لا أحد يستطيع أن يتفهم مشاعره الدفينة أو يتلاعب بها. لكن مع استخدام التكنولوجيا الإحيائية وتكنولوجيا المعلوميات في حقل العلوم العصبية، ومع القدرة الكبيرة على تجميع أكوام مكومة من المعلومات عن كل فرد وتحليلها بطريقة فعالة، كل هذا يعني أننا أقرب من النقطة التي تعني أن هناك منظومة خارجية لها القدرة على فهم مشاعرك أكثر منك. ولقد رأينا لمحة من هذا في الوباء الأخير المعروف بالأخبار الكاذبة.

الأخبار الكاذبة كانت دائما موجودة، ما يختلف الآن هو أنك تستطيع أن تحبك قصة لفئة معينة من الأفراد، والسبب هو أنك تعرف ضرر ذلك الفرد بعينه. الكل يؤمن بحرية الإرادة، وتمثل مشاعرهم تلك شيئا ما هو أشبه بقدرة روحية اعتقادية، ومن السهل التلاعب بهم لأنهم لن يفكروا قط بوجود منظومة خارجية صنعت مشاعرهم أو تلاعبت بها.

س. مع أنك تكتب بأسلوب واضح وصريح، ما زال هناك قراء يعجزون عن فهمك؟

ج. أجل، الكثر منهم. وهو أمر مفهوم، فأحيانا هم لا يرغبون حقيقة في الفهم، وأحيانا أخرى لأن عددا من القضايا مستجدة ومعقدة. لا أعتقد أن قراءة كتاب واحد كفيلة بتوضيح كل تلك القضايا. ومن مسؤولية العلماء أنهم حين يتحدثون إلى الجمهور العام أن يفعلوا ذلك بطريقة واضحة قدر الإمكان. أما أنا فساقط في نوع من الوهم مفاده أنه لن يستطيع أحد استيعاب ما أكتب بنفس الطريقة التي أرغب بها.

س. تقول إنه عليك دفع المال إن أنت أردت الحصول معلومة جيدة. والمثل الشائع في وادي السيليكون هو أن المعلومة ترغب دائما في أن تكون حرة، حتى أن بعض الجرائد الإلكترونية نحت هذا المنحى. هل هذا الاختيار حكيم؟

ج. إن فكرة حرية المعلومة خطير جدا سيما إذا تتعلق الأمر بصناعة الصحف. فإذا كان مستوى حرية المعلومة مرتفعا هناك، كيف باستطاعتك إذا أن تحافظ على لفت انتباه الناس؟ لقد أصبح الأمر كسلعة حقيقية. حاليا يوجد نوع من التحفيز للفت انتباهك – وبعد ذلك يبيعونك للمستشهرين والسياسيين وغيرهم– لخلق المزيد من القصص المثيرة لا حقيقة لها ولا أهمية. بعض الأخبار الزائفة تأتي من تلاعب الهاركز الروس وببعضها ينتشر بسبب وجود بنية تحفيزية خاطئة. كما أنه ليس هناك عقاب ينتظر مختلقي قصص مثيرة غير حقيقية. نحن نريد أن ندفع الكثير مقابل أطعمة وملابس وسيارات بجودة عالية، فلم لا ندفع مقابل معلومات بجودة عالية؟

س. نحن نعيش في زمن يتغير بطريقة غير مسبوقة. هل يستطيع الإنسان مقاومة هذه التغيرات السريعة؟

ج. يجب علينا أن نتوقف ونرى. تخوفي الأساسي نفساني بالدرجة الأولى –حتى إن كانت لنا القدرة النفسية على التأقلم مع هذا المستوى من التغير. لقد تسارعت وثيرة التغير كثيرا في العقدين الأخيرين. عمر جدتي الآن تسعين سنة وهي على ما يرام. المهم أن نبقى على قيد الحياة. لكن هل نستطيع أن نفعل ذلك مجددا، ليس هناك أي ضمانة. علينا أن نستثمر موارد كثيرة في تطوير قابلية الناس على التأقلم النفسي.

س. ما الذي يعنيه التأمل لك؟ وما أهميته؟

ج. هو بالنسبة لي طريق لفهم الواقع –واقعي أنا في المقام الأول بطبيعة الحال، ثم واقع بقية العالم، من دون أي قصص أو خيال أو أساطير– من أجل ملاحظة كيف يحدث في الحقيقة فقط. وأهم جزء في القضية في نظري هو كيف نميز بين الخيال والواقع، وهذا هو السبب في أهمية التأمل في حياتي. هل هو مهم لدى الآخرين، ذلك يعتمد على الشخص. آخر فصل في الكتاب شخصيّ لأنه يتحدث عن التأمل. وينتابني شعور بالقلق من أن يقول الناس إني أتحدث عن التأمل بوصفه حلا لكل المشاكل التي أطرحها. ربما كان بإمكانه مساعدة الناس على مواجهة القلق والتوتر، لكنه ليس حلا سحريا قادرا على وقاية الإنسانية جمعاء من كل مشاكلها.

س. هل أنت قلق من أن يقول عنك الناس إنك رجل حكيم أو عراف يمتلك إجابات عن كل الأسئلة؟

ج. أجل، أنا قلق من ذلك، خصوصا وأني لا أملك كل الإجابات، أو على الأقل أغلب الإجابات. كما أني مستأنس بطبيعة الإنسان الميالة إلى وجود شخص يمتلك كل الأجوبة، وأن يفعلوا ما يقوله ذلك الشخص أو تلك المرأة. كل ما أتمناه هو أن يقرأ الناس الكتاب ليس على أنه دليل معصوم من الخطأ للطريقة الصحيحة للعيش في القرن الحادي والعشرين، وإنما كقائمة من الأسئلة. لن تستطيع إيجاد أجوبة ما لم تخض نقاشا. أولا عليك أن تبدأ بالنقاش.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 + إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى