رئيس “أديان من أجل السلام – أوروبا”: المغرب قطب إقليمي للحوار بين الأديان والثقافات و التعايش الديني من أثمن ثروات المملكة

حاوره : المحجوب داسع
أشاد جنتي كروجا، رئيس منظمة “أديان من أجل السلام – أوروبا”، بالتجربة المغربية في مجال التعايش بين الأديان والثقافات، مؤكدا أن المملكة تمثّل أحد أهم نماذج التعايش الديني والاعتدال والحوار بين الثقافات في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وأشار جنتي، في حوار مع الموقع الالكتروني الاخباري “الدار”، الى أن المغرب بلدٌ تتعايش فيه الأزمنة والتقاليد والحداثة بانسجام متميز، و يجسد نموذجا قيماً لكيف يُمكن للتنوع الديني والثقافي أن يُصبح مصدراً للقوة والاستقرار، مبرزا أن التعايش بين الأديان يعدّ من أثمن ثروات المغرب، الذي نجح على حد قوله، في ” الحفاظ على هويته التاريخية مع انفتاحه على الحوار والتعاون الدولي”.
واعتبر الأمين العام لمجلس أتباع الأديان في ألبانيا، أن التجربة المغربية في تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات، تجعل من المغرب شريكاً استراتيجياً لأوروبا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط في مجال الحوار بين الثقافات، والدبلوماسية الدينية، مضيفا أن المغرب يملك كل المقومات ليصبح مركزًا إقليميًا لهذا النوع من التعاون، يربط أوروبا وافريقيا والشرق الأوسط.
ودعا جنتي كروجا، الى تطوير شراكات ملموسة بين الجامعات الأوروبية والمغربية، ومعاهد البحوث، والمجالس المشتركة بين الأديان، ومنظمات المجتمع المدني، لتنفيذ مشاريع في مجالات الحوار بين الأديان، والتثقيف من أجل السلام، والهجرة، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ، والتماسك الاجتماعي.
في هذا الصدد، أكد جنتي كروجا، على أهمية الاستفادة من التجربة المغربية لإنشاء منصة أوروبية-متوسطية دائمة للحوار بين الأديان و الثقافات، تضمّ قادة دينيين وأكاديميين وصحفيين وشبابًا وصنّاع سياسات، مؤكدا أن تجربة المغرب وتجارب الدول الأوروبية يمكن أن تُكمّل بعضها بعضًا، وأن تُثمر نماذج جديدة للتعاون في المنطقة الأورمتوسطية
نص الحوار:
يشهد العالم تصاعدًا غير مسبوق في النزاعات المسلحة، والاستقطاب السياسي، والتفكك الاجتماعي. برأيكم، ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الحوار بين الأديان والثقافات في مواجهة هذه التحديات العالمية؟
أعتقد أننا نعيش في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في التاريخ الحديث. فالحروب والصراعات في أوكرانيا والشرق الأوسط، والتوترات الجيوسياسية، والهجرة، وتغير المناخ، والتفاوتات الاقتصادية، والتطرف، والاستقطاب السياسي، والثورات التكنولوجية، ليست أزمات منفصلة، بل هي أجزاء من واقع مشترك يُهدد أسس التعايش الإنساني.
في هذا السياق، لم يعد بإمكان الحوار بين الأديان والثقافات أن يبقى مجرد أداة دبلوماسية أو منبرًا للنقاش. بل يجب أن يصبح قوة تحويلية تبني الثقة، وتُرمم العلاقات المتضررة، وتُحشد المجتمعات للعمل المشترك.
في منظمة “أديان من أجل السلام – أوروبا”، نؤمن إيمانًا راسخًا بأن الوقت قد حان للانتقال من الحوار إلى العمل. وهذه هي الفلسفة التي طرحتها في تقريري الرئاسي: الحوار ليس غاية في حد ذاته، بل هو نقطة انطلاق لتعاون ملموس من أجل السلام والعدالة والكرامة الإنسانية.
اليوم، نُطوّر رؤية جديدة، هي “الازدهار المقدس المشترك”، تدعونا إلى تجاوز اختلافاتنا الدينية والثقافية، وإدراك أن جميع التقاليد الدينية تتشارك مسؤولية مشتركة في حماية الحياة، وتعزيز الصالح العام، ورعاية الأجيال القادمة. لا تسعى هذه الرؤية إلى توحيد الأديان أو خلق هوية دينية جديدة، بل تحترم هوية كل تقليد، وتُهيئ مساحةً للتعاون على أساس قيم عالمية كالرحمة والعدل والتسامح والتضامن. لا يُبنى السلام على موائد الدبلوماسية فحسب، بل يُبنى في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والأسر والمجتمعات المحلية. هناك يُولد التفاهم، ومن هناك يبدأ السلام المستدام.
ما هي الأولويات الرئيسية لمنظمة “أديان من أجل السلام – أوروبا” في مجال تعزيز السلام والحوار والتماسك الاجتماعي في أوروبا وخارجها؟
شهدت منظمة “أديان من أجل السلام – أوروبا” في السنوات الأخيرة عملية توطيد مؤسسي واستراتيجي هامة. فبعد اعتماد النظام الأساسي الجديد واللوائح الجديدة، أصبحت منظمتنا أقوى وأكثر استدامة ونشاطًا على المستويين الأوروبي والدولي.
اليوم، يسترشد عملنا بالأولويات الاستراتيجية العالمية الست لمنظمة “أديان من أجل السلام”.
الأولوية الأولى هي بناء مجتمعات سلمية وعادلة وشاملة. فنحن نؤمن بأن للجماعات الدينية سلطة أخلاقية فريدة لمنع النزاعات ومكافحة التطرف وتعزيز المصالحة.
الأولوية الثانية هي تمكين المرأة كقائدة للسلام. فمن خلال شبكة “نساء الإيمان” ومبادرات مثل “أمهات من أجل السلام”، تضطلع المرأة بدور متزايد الأهمية في الوساطة والتثقيف وبناء الثقة.
ومن الأولويات الأخرى التزامنا بحماية البيئة والعدالة المناخية. فالتغير المناخي ليس مجرد أزمة بيئية، بل هو أيضًا تحدٍ أخلاقي وروحي يستدعي مسؤولية مشتركة.
لا تقل أهمية عن ذلك حماية حرية الدين أو المعتقد، والكرامة الإنسانية، وتعزيز المجتمعات التعددية.
وقد عززنا شبكتنا التي تضم 12 مجلسًا وطنيًا أوروبيًا للحوار بين الأديان، والمجلس الأوروبي للزعماء الدينيين، وشبكة النساء المؤمنات، والشبكة الأوروبية للشباب بين الأديان، والتي تُشكل مجتمعةً بنيةً تحتيةً هامةً للحوار والتعاون في جميع أنحاء أوروبا.
ويُمثل الازدهار المقدس المشترك بُعدًا جديدًا لعملنا. فهو ليس مجرد مفهوم نظري، بل منهجية عمل عملية. إذ يُساعدنا على تحديد ليس فقط أعراض الصراع، بل أيضًا أسبابه الجذرية؛ وتحليل الموارد الروحية والاجتماعية لمجتمعاتنا؛ والعمل معًا على تطوير حلول تخدم الصالح العام. إن العمل الذي لا يستند إلى رؤية أخلاقية مشتركة يُخاطر بأن يكون رد فعلٍ، وتشتتًا، وقصير الأجل. في المقابل، يُصبح العمل القائم على فهم مشترك للمقدس تحويليًا، ويُرسخ المسؤولية المشتركة. لهذا السبب، تتمثل رؤيتنا في تحويل الإيمان إلى مسؤولية، والحوار إلى تعاون، والتنوع إلى مصدر قوة للسلام.
كيف ينبغي للقيادة الدينية أن تتطور استجابةً للتحولات التكنولوجية والاجتماعية المتسارعة؟
لا يمكن للقيادة الدينية أن تبقى حبيسة نماذج الماضي، بل يجب أن تحافظ على أصالتها مع الانخراط في حوار مستمر مع واقع عصرنا. اليوم، يُغير الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية طريقة وصول الناس إلى المعلومات، وتشكيل هوياتهم، وبناء علاقاتهم. يعيش جيل الشباب في بيئة تواصل مختلفة تمامًا عن تلك التي كانت سائدة قبل عقد من الزمن.
لذا، يجب على القادة الدينيين تطوير كفاءات جديدة في التواصل الجماهيري، وأخلاقيات التكنولوجيا، والوعي الإعلامي، والثقافة الرقمية. عليهم أن يكونوا حاضرين حيث يتواجد الناس، وخاصة الشباب.
في الوقت ذاته، لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محل البُعد الإنساني للقيادة. لا يمكن لأي خوارزمية أن تحل محل التعاطف، والإنصات الجيد، والتسامح، والحكمة، والاهتمام بالآخرين.
يذكرنا مفهوم الازدهار المقدس المشترك بأن الإنسان، في جوهره، كائن اجتماعي. فنحن لا نعيش في عزلة، بل في علاقة مع الله، ومع بعضنا البعض، ومع المجتمع، ومع الطبيعة. لذا، يجب أن تكون القيادة الدينية قيادةً تبني العلاقات، وتُنمّي الفضائل، وتُعزّز المؤسسات التي تخدم الصالح العام. بهذه الطريقة فقط نستطيع مواكبة التحولات التكنولوجية دون أن نفقد إنسانيتنا.
في نهاية المطاف، لن تُقاس قيادة المستقبل بالسلطة الرسمية، بل بقدرتها على بثّ الأمل، وبناء الثقة، وتوحيد الناس حول رؤية مشتركة للسلام.
ما هي مسؤوليات الزعماء الدينيين في مكافحة التطرف الإلكتروني، والمعلومات المضللة، وخطاب الكراهية في بعده الرقمي؟
في القرن الحادي والعشرين، أصبح الفضاء الرقمي أحد أهم ساحات المعارك التي تتشكل فيها الآراء والهويات والعلاقات الاجتماعية. وللأسف، أصبح أيضًا بيئةً تنتشر فيها المعلومات المضللة، ونظريات المؤامرة، وخطاب الكراهية، والخطابات المتطرفة بسرعة.
لهذا السبب، لم تعد مسؤولية الزعماء الدينيين تقتصر على دور العبادة. بل يقع على عاتقنا واجب أخلاقي بالتواجد في الفضاء الرقمي أيضًا، وتقديم أصوات موثوقة، ومعتدلة، وقائمة على الحقيقة.
في منظمة “أديان من أجل السلام – أوروبا”، نؤمن أنه لا يكفي مجرد الرد على الكراهية؛ بل يجب علينا بناء روايات بديلة تعزز الاحترام، والكرامة الإنسانية، والتضامن. ويعلمنا مفهوم “الازدهار المقدس المشترك” أن الصراع لا ينشأ فقط من الاختلافات، بل أيضًا من العلاقات المتصدعة. لذا، يجب أن تبدأ معالجة خطاب الكراهية بإعادة بناء الثقة وترسيخ ثقافة الحوار.
يجب على الزعماء الدينيين التعاون الوثيق مع الصحفيين والأكاديميين وخبراء التكنولوجيا والمؤسسات العامة لتعزيز الوعي الإعلامي والأخلاقيات الرقمية، وحصانة المجتمع ضد التلاعب. لا يمكننا مكافحة الكراهية بالتحريم وحده، بل يجب أن نستبدلها بالأمل والحقيقة والمسؤولية المشتركة.
كيف يمكننا تعزيز قدرات الصحفيين، وصنّاع المحتوى الرقمي، والمؤثرين، والمتخصصين في مجال الاتصالات، لإنتاج محتوى إعلامي متوازن ومعتدل وموجه نحو السلام، يُعزز التسامح والتعايش والتفاهم المتبادل، وينبذ العنف والتطرف والكراهية؟
للإعلام والتواصل الجماهيري تأثير بالغ على نظرة المجتمعات إلى الدين والتنوع و”الآخر”. لذا، لا يقتصر دور الصحفيين على نقل الأحداث فحسب، بل يساهمون أيضًا في تشكيل الثقافة العامة.
أعتقد أن الوقت قد حان للاستثمار فيما يُمكن تسميته بصحافة السلام. وهذا لا يعني إخفاء المشاكل أو الصراعات، بل نقلها بمهنية ومسؤولية وحساسية إنسانية. وإلى جانب تغطية الأزمات، ينبغي للإعلام أن يروي قصص التعاون والتضامن والمصالحة.
وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم “الرواية المقدسة”، الذي يُروج له من خلال منهجية “الازدهار المقدس المشترك”، أهمية خاصة. فالقصص قادرة على مداواة الجراح، واستعادة الثقة، وبناء الجسور. وعندما تُروى بمسؤولية، تُصبح أدوات لبناء السلام والتفاهم المتبادل.
لذا ينبغي على الجامعات والمنظمات الدولية والمؤسسات الدينية والمؤسسات الإعلامية تطوير برامج مشتركة حول صحافة السلام، وأخلاقيات الاتصال، والتعليم بين الأديان، والذكاء الاصطناعي، والكفاءات بين الثقافات.
هل تعتقدون أن هناك حاجة لمبادرات تدريبية دولية تجمع بين القادة الدينيين والصحفيين والإعلاميين والمؤثرين الرقميين لتطوير روايات مضادة لخطاب الكراهية والتطرف؟
بالتأكيد. في الواقع، أعتقد أن هذا من أهم الاستثمارات الاستراتيجية التي يمكننا القيام بها للمستقبل.
في منظمة “أديان من أجل السلام – أوروبا”، بدأنا بالفعل بتطبيق منهجية “الازدهار المقدس المشترك” من خلال برامج تدريبية إقليمية تجمع بين القادة الدينيين والنساء والشباب من مختلف الدول الأوروبية. الهدف هو تزويدهم بأدوات عملية لتحليل النزاعات، وبناء الثقة، وتطوير مبادرات ملموسة تخدم الصالح العام.
يجب أن تكون الخطوة التالية هي توسيع هذا النموذج ليشمل الصحفيين، وصناع المحتوى الرقمي، وخبراء الذكاء الاصطناعي، والمؤثرين. فقط من خلال الجمع بين السلطة الأخلاقية للمجتمعات الدينية، وكفاءة الإعلام، وإبداع جيل الشباب، يمكننا بناء روايات مضادة موثوقة للتطرف والاستقطاب. لهذا السبب، أعتقد أن مثل هذه الشراكات الدولية يجب أن تكون أولوية في السنوات القادمة.
يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا جذريًا في المشهد المعلوماتي. كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُصبح أداةً لتعزيز الحوار والسلام بدلًا من تضخيم المعلومات المُضللة والانقسام؟
يُعدّ الذكاء الاصطناعي من أعظم ثورات عصرنا. فهو قادر على تحسين التعليم، والترجمة بين اللغات، والتحقق من الحقائق، ورصد خطاب الكراهية، والوصول إلى المعرفة.
مع ذلك، يُمكن استخدام هذه التقنية نفسها للتلاعب، ونشر المحتوى المُضلل، والتطرف، وتعميق الانقسامات الاجتماعية. لذا، فإن السؤال ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي جيدًا أم سيئًا، بل السؤال هو: على أي قيم سيُبنى؟
في إطار “الازدهار المقدس المشترك”، نتحدث عن رؤية مشتركة قائمة على الكرامة الإنسانية، والمحبة، والرحمة، والعدالة، والصالح العام. هذه هي القيم التي ينبغي أن تُوجّه التطور الأخلاقي للذكاء الاصطناعي.
لا ينبغي للتكنولوجيا أن تحل محل الإنسان، بل أن تُساعد الناس على بناء علاقات أفضل، ومؤسسات أكثر عدلًا، ومجتمعات أكثر شمولًا. إذا نجحنا في وضع الأخلاق في صميم الابتكار التكنولوجي، يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُصبح أداةً فعّالة للحوار، والتعليم، وبناء السلام.
يحظي المغرب باشادة دولية متواصلة بفضل نموذجه في التعايش الديني والاعتدال والحوار بين الثقافات. كيف تقيّمون التجربة المغربية في تعزيز التعايش السلمي؟
في رأيي، يُمثّل المغرب أحد أهم نماذج التعايش الديني والاعتدال والحوار بين الثقافات في منطقة البحر الأبيض المتوسط. إنه بلدٌ تتعايش فيه التواريخ والتقاليد والحداثة بانسجام، مُقدّماً مثالاً قيماً على كيف يُمكن للتنوع الديني والثقافي أن يُصبح مصدراً للقوة والاستقرار.
يستند هذا التقييم ليس فقط إلى ما قرأته أو درسته، بل أيضاً إلى تجربتي الشخصية. فقد حظيتُ بشرف المشاركة في برنامج التبادل العالمي للدين في المجتمع (GERIS)، وهو مشروعٌ مموّل من الاتحاد الأوروبي، زار من خلاله باحثون وخبراء من مختلف البلدان مساجد ومعابد يهودية وكنائس وأديرة في المغرب عام 2021. خلال البرنامج، أتيحت لنا فرصةٌ للاطلاع مباشرةً على تقاليد التعايش بين الأديان العريقة في البلاد، والتي تُعدّ من أثمن ثروات المغرب.
تلقيتُ دعوةً من جامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس للمشاركة في مؤتمر دولي حول الحوار والعلاقات بين الأديان. كما شاركتُ في إعداد مؤتمرٍ بدعمٍ من مؤسسة آنا ليند، كان من المقرر عقده في المغرب لتعزيز الحوار الأوروبي المتوسطي.
علاوةً على ذلك، تُنظّم منظمة “أديان من أجل السلام الدولية” في يوليوز الجاري اجتماع اللجنة التحضيرية للجمعية في الرباط، مما يُبرز مجدداً الدور المحوري الذي يلعبه المغرب في تعزيز الحوار بين الأديان والتعاون الدولي.
على مرّ السنين، أتيحت لي فرصة زيارة معظم أنحاء المغرب، مثل فاس، والرباط، ومراكش، والدار البيضاء، وطنجة، وشفشاون، وتطوان. وقد أُعجبتُ كثيراً بتراثه الثقافي، وهندسته المعمارية، وحضارته العريقة، وكرم ضيافته، وشعبه. لقد نجح المغرب في الحفاظ على هويته التاريخية مع انفتاحه على الحوار والتعاون الدولي.
أعتقد أن هذه التجربة تجعل من المغرب شريكاً استراتيجياً لأوروبا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط بأكملها في تعزيز السلام، والحوار بين الثقافات، والدبلوماسية الدينية.
كيف يمكن لمنظمة “أديان من أجل السلام – أوروبا” تعزيز تعاونها مع المؤسسات المغربية العاملة في مجالات الحوار بين الأديان، وبناء السلام، والدبلوماسية الدينية؟
أرى إمكانات هائلة لتوسيع التعاون بين منظمة “أديان من أجل السلام – أوروبا” والمؤسسات المغربية.
إلى جانب منصبي كرئيس لمنظمة “أديان من أجل السلام – أوروبا”، أتولى أيضًا رئاسة معهد بريزمي للحوار، وأشغل منصب الأمين العام للمجلس المشترك بين الأديان في ألبانيا، وأُدرّس في كلية بدر الجامعية. وقد أظهرت لي هذه المسؤوليات بأن التعاون بين الأديان يجب أن يرتكز على ثلاثة محاور: التعليم، والبحث العلمي، والمشاركة المجتمعية.
قبل عامين، نظمنا في تيرانا أكاديمية شباب البحر الأبيض المتوسط للحوار بين الثقافات، والتي جمعت عشرين شابًا من مختلف دول البحر الأبيض المتوسط. وقد أظهرت هذه التجربة أن الشباب هم أفضل جسر لبناء التفاهم بين الثقافات والأديان.
أعتقد أنه بإمكاننا تطوير شراكات ملموسة بين الجامعات الأوروبية والمغربية، ومعاهد البحوث، والمجالس المشتركة بين الأديان، ومنظمات المجتمع المدني، لتنفيذ مشاريع في مجالات الحوار بين الأديان، والتثقيف من أجل السلام، والهجرة، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ، والتماسك الاجتماعي. سيكون من المفيد للغاية إنشاء منصة أوروبية-متوسطية دائمة للحوار بين الأديان، تضمّ قادة دينيين وأكاديميين وصحفيين وشبابًا وصنّاع سياسات. أنا على يقين بأن تجربة المغرب وتجارب الدول الأوروبية يمكن أن تُكمّل بعضها بعضًا، وأن تُثمر نماذج جديدة للتعاون في منطقتنا.
يتماشى هذا تمامًا مع رؤية “الازدهار المقدس المشترك”، التي تدعونا إلى الانتقال من الحوار إلى العمل المشترك، من خلال بناء شراكات تحمي كرامة الإنسان، وتُعزّز المؤسسات التي تخدم الصالح العام، وتُسهم في بناء مستقبل أكثر سلامًا وشمولًا.
هل ترون فرصًا لإطلاق مبادرات مشتركة في المغرب تهدف إلى تمكين الشباب والقيادات الدينية والصحفيين والمؤثرين الرقميين لتعزيز الخطاب السلمي والتماسك الاجتماعي؟
نعم، وأعتقد أن هذه إحدى أكثر الفرص الواعدة للمستقبل. أرحب بإنشاء أكاديمية أوروبية متوسطية للحوار والازدهار المشترك والقيادة الأخلاقية، حيث يمكن للشباب والقيادات الدينية والصحفيين وأساتذة الجامعات وخبراء الذكاء الاصطناعي وصناع المحتوى الرقمي التعلم والعمل معًا.
يمكن لهذه الأكاديمية تطوير برامج في صحافة السلام، والأخلاقيات الرقمية، والتواصل بين الثقافات، والذكاء الاصطناعي، والدبلوماسية الدينية، ومكافحة خطاب الكراهية، وبناء روايات بديلة إيجابية. يملك المغرب المقومات ليصبح مركزًا إقليميًا لهذا النوع من التعاون، يربط أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.
في نهاية المطاف، التحديات التي نواجهها عالمية وتتطلب استجابات مشتركة. كما أكدتُ في تقريري الرئاسي، فإنّ الجماعات الدينية مدعوة ليس فقط للاستجابة للأزمات، بل أيضاً لبناء جسور الثقة، وحماية كرامة الإنسان، وبثّ الأمل. وانطلاقاً من رؤية الازدهار المقدس المشترك، نؤمن بقدرتنا على تحويل الإيمان إلى عمل، والحوار إلى تعاون، والتنوع إلى مصدر قوة للسلام والعدالة والتنمية المستدامة. هذا هو السبيل نحو أوروبا وبحر أبيض وعالم أكثر سلاماً وشمولاً وإنسانية.





