
الدار/ مريم حفياني
هناك لاعبون يصنعون التاريخ بالأهداف، وآخرون يصنعونه بالشخصية. أما عيسى ديوب، فقد جمع بين الأمرين في ليلة ستظل محفورة في ذاكرة الكرة المغربية. ففي اللحظة التي بدا فيها المنتخب المغربي قريباً من مغادرة كأس العالم أمام هولندا، خرج المدافع الصلب من قلب الدفاع إلى قلب الحدث، وارتقى عالياً ليسجل هدف التعادل الذي أعاد الحياة إلى “أسود الأطلس”، قبل أن يكتمل المشهد التاريخي بانتصار المغرب بركلات الترجيح وبلوغ ثمن النهائي، حيث ينتظر مواجهة المنتخب الكندي.
لم يكن ذلك الهدف مجرد كرة عبرت خط المرمى، بل كان تتويجاً لمسيرة لاعب اختار أن يكتب اسمه بحروف مغربية، رغم أن كل شيء في بداياته الكروية كان يشير إلى فرنسا. فمنذ سنوات، كان عيسى ديوب واحداً من أبرز المدافعين الذين راهنت عليهم الكرة الفرنسية، بعدما تدرج في جميع منتخباتها السنية، وبرز مع نادي تولوز قبل أن يفرض نفسه في الدوري الإنجليزي الممتاز بقميصي وست هام يونايتد ثم فولهام، حتى أصبح من أكثر المدافعين خبرة في واحدة من أقوى بطولات العالم.

ولد عيسى لاي لوكاس جان ديوب في مدينة تولوز الفرنسية في التاسع من يناير 1997، لأب سنغالي وأم مغربية، لكنه ظل يعتبر أن المغرب ليس مجرد بلد تنحدر منه والدته، بل جزء أصيل من هويته الشخصية والعائلية. ورغم سنوات الانتظار أملاً في حمل قميص المنتخب الفرنسي الأول، فإن تلك الفرصة لم تأتِ، ليحسم قراره باختيار المغرب، في خطوة لم ينظر إليها باعتبارها الخيار البديل، بل باعتبارها العودة إلى جذوره الحقيقية، وإلى البلد الذي ظل حاضراً في تفاصيل حياته منذ الطفولة.
داخل المنتخب المغربي، لم يحتج ديوب إلى وقت طويل ليثبت قيمته. فقد جاء محملاً بخبرة الدوري الإنجليزي، وبشخصية المدافع الذي لا يعرف التراجع، ليصبح سريعاً أحد أعمدة الخط الخلفي. حضوره القوي في الكرات الهوائية، وقراءته الممتازة للعب، وقدرته على قيادة زملائه داخل الملعب، جعلت الجماهير تطلق عليه لقب “الجنرال”، وهو لقب لم يأت من فراغ، بل من الطريقة التي يدير بها المعارك الدفاعية بثقة وهدوء، ومن الروح القيادية التي يظهرها في كل مباراة.

وأمام هولندا، قدم ديوب صورة المدافع العصري بكل تفاصيلها. أغلق المساحات، وربح أغلب الصراعات الثنائية، وتعامل بثبات مع ضغط المهاجمين، قبل أن يتحول في لحظة حاسمة إلى مهاجم لا يرحم، مسجلاً هدفاً غيّر مجرى المباراة وأعاد المغرب إلى المنافسة. كان ذلك الهدف أكثر من مجرد مساهمة فردية؛ كان إعلاناً عن شخصية لاعب يرفض الاستسلام، ويؤمن بأن القتال حتى اللحظة الأخيرة هو جزء من هوية المنتخب المغربي.
وما يميز عيسى ديوب ليس فقط ما يقدمه بالكرة، بل أيضاً ما يحمله في قلبه. فمنذ اختياره تمثيل المغرب، تحدث أكثر من مرة عن اعتزازه بأصوله المغربية، وعن الدور الكبير الذي لعبته والدته في ترسيخ هذا الانتماء. لذلك، بدا احتفاله بالقميص الوطني طبيعياً وصادقاً، وكأنه يؤكد أن الهوية ليست وثيقة رسمية، بل شعور عميق يترجم بالأفعال عندما يحين وقت الدفاع عن الوطن.
ويمثل ديوب أيضاً نموذجاً لنجاح المشروع المغربي في استقطاب الكفاءات الكروية ذات الأصول المغربية المنتشرة في أوروبا، وهو المشروع الذي جعل المنتخب الوطني يضم لاعبين تكونوا في أكبر الأكاديميات العالمية، لكنهم اختاروا الدفاع عن راية المغرب بكل قناعة. وقد أثبتت هذه التجربة أن قوة المنتخب لا تكمن فقط في جودة أفراده، بل في وحدة انتمائهم وإيمانهم بالمشروع الرياضي الوطني.
ومع اقتراب مواجهة كندا في ثمن نهائي كأس العالم، تتجه الأنظار مرة أخرى إلى “الجنرال” الذي أصبح أحد أبرز أسلحة المغرب في البطولة. فالجماهير لم تعد ترى فيه مجرد مدافع محترف في الدوري الإنجليزي، بل قائداً حقيقياً يجسد الشجاعة والانضباط والقتال حتى الرمق الأخير.
في ليلة هولندا، لم يسجل عيسى ديوب هدفاً فقط، بل كتب صفحة جديدة في قصة لاعب اختار أن يكون مغربياً بالفعل قبل أن يكون مغربياً بالأصول. وبين صلابة المدافع وشجاعة المقاتل ووفاء الابن لوطن والدته، صنع “الجنرال” لنفسه مكانة خاصة في قلوب المغاربة، وأثبت أن بعض القصص لا تكتبها الأقدام وحدها، بل يكتبها الإيمان والانتماء والعزيمة التي لا تعرف المستحيل.






